في نقد الحرب الأهلية : الدكتور ميشال الشمّاعي يناقش كتاب الدكتور محمد علي مقلّد في منتدى صور الثقافي

خاص بوابة بيروت

بدعوة من رئيس منتدى صور الثقافي الدكتور ناصر فرّان، شارك رئيس مكتب الإعلام التابع لأمانة سرّ تكتل الجمهوريّة القوية الدكتور ميشال الشمّاعي والدكتور حارث سليمان في مناقشة كتاب الدكتور محمد علي مقلّد بعنوان “في نقد الحرب الأهلية”. بدأت الفعالية بجولة للدكتور الشمّاعي في أحياء مدينة صور، حيث التقى بأهلها. ثم استقبله أعضاء المنتدى في مقر الجمعية في صور، حيث ألقى مداخلة نقدية للكتاب من البوابة الأكاديمية – السياسية.

تميزت مداخلة الدكتور الشمّاعي بتناول موضوع الكتاب وأثر الحرب الأهلية من منظور نقدي وتحليلي، حيث سلط الضوء على البعد الأكاديمي والسياسي للحرب وتداعياتها. أعقب المداخلة نقاش مثمر مع الحاضرين، الذين أثنوا على قدرة الشمّاعي في التواصل الفعال وهدم الحواجز التي خلفتها الحرب الأهلية، وهو الموضوع الأساسي لكتاب الدكتور مقلد. وقد نجح الشمّاعي في مدّ جسور التواصل مع الحاضرين، معززاً روح التفاهم والتواصل بين مختلف الأطراف.

وفيما يلي نص مداخلة الدكتور ميشال الشمّاعي :

أيّ حرب أهليّة لا تنتهي بمصارحة شاملة ومسامحة كاملة لا تنتهي. خلاصة أبدأ بها مداخلتي بعدما محّصت كتاب الدّكتور محمّد علي مقلّد.

هذا الكتاب الذي أراده الدّكتور مقلّد تشخيصًا في الواقع والمسبّبات، لا بل عرضًا مستفيضًا في الوقائع التي دفّعته إلى استخلاص العبرة الأهم من تلك الواقعة البغيضة ومفادها ” من يستسهل قتل رفيقه في الخندق لا يستصعب قتل خصمه في الخندق المقابل”. ص (10).

وما ميّز الدكتور مقلّد تلك الجرأة في النقد الذاتي حيث تجرّأ حيث لم يجرؤ آخرون على نقد أهل بيته أوّلًا الذين رفضوا الاستماع إلى صوت العقل الرابض في كيانه. وكان أوّل الدّاعين إلى الانخراط في ورشة نقد ذاتي بديلا عن طاولات الحوار العقيمة. لقد شكّل مقلّد البديل الأصيل عن الأصيل الذي استبدل ذاته الوطنيّة لذات لا تشبه وطنه، فأضحى هو نفسه غريبًا عن هذا الوطن. فتناول نيابة عن الأصيل دور كلّ من شارك في الحرب بالسلاح أو بالقلم أو بإدارة الظهر أو بالتفرّج على مآسي اللبنانيّين المتعاقبة، إيمانًا منه بثقافة الحوار الحقيقي لا ذلك الذي يفرَضُ فرضًا بقوّة سلاح الأمر الواقع، لانتزاع أعراف تضرب الدّستور في صميمه. متأمّلًا أن يكون ذلك حافزًا لفتح حوار حقيقي بين مَن تمترسوا خلف أكياس الرمل ميدانيًّا وفكريًّا وحتّى إيديولوجيًّا. هذه الجرأة التي ما زالت حتّى الساعة مفقودة عند الذين يستمرّون في دعواتهم الفارغة إلى طاولات الحوار الممجوج.

أمّا ما ميّز مؤلَّف الدّكتور مقلّد فهو تلك الرؤيا البانوراميّة من علُ حيث وقف على قمّة الشهداء على ارتفاع 3088 مترًا ليرى اللبنانيين كلّهم، على اختلافاتهم وخلافاتهم مستفزًّا “حرصهم الافتراضي على وطننا الحبيب لبنان. “ص (11).

لقد ولج الدّكتور مقلّد في تشخيصه لمَن يتحمّل مسؤوليّة هذه الحرب إلى فيزياء الكمّ، وبنى تحليله على دراسة الظواهر والسلوكيات على مستوى الجزيئات الصغيرة مثل الذرات والجزيئات الأصغر؛ يوم قرّر كلّ منّا البحث عن وطن يشبهه.

والمؤسف اليوم أنّ بعض مفردات الحرب الأهليّة ما زالت مترسّخة في الأذهان على شكل «خلايا نائمة»؛ لا بل تحوّلت إلى تهج تربويّ، وثقافة بنيت عليها عقول أجيال ما بعد الحرب. وما زاد في الطين بلّة أنّ هذه الحرب التي باتت دفينة في النّفوس توقظها تدخّلات خارجيّة أو أحداث طائفيّة أو مطامع سلطويّة، ويغذّيها نهج ميليشيويّ ترسّخ وجوده في المجتمع وفي مؤسَّسات الدولة التي أضحت أنموذجًا من الميليشيا المقوننة، أو قل أنّ الفساد أضحى نهجًا نتج من مفاعيل عدم انتهاء هذه الحرب، لا بل تحوّلها من الشارع إلى داخل المؤسسات. فانتقلت المتاريس لتتشكّل بين السلطات المفترَض أن تسيّر شؤون النّاس، فتعطّل البلد وتمّ تشييء النّاس كي لا نقول كلامًا لا يليق بالحضور الكريم ولا بكياننا المتواضع.

ولعلّ السبب الذي دفع الدّكتور مقلّد إلى خوص غمار هذه التجربة الجديدة هو ذلك الجرح النّازف في وجدانه الوطني بعدما فقد مهدي عامل، صديقه ورفيقه ودليله إلى درب النضال، كما يسمّيه. لذلك لم يتّخذ موضع مدوّن المذكّرات واليوميّات التي تحفر بألمها في قلب كاتبها، بل آلَى على نفسه كتابة دستور الحقيقة ليشكّل خارطة طريق حقيقيّة للسلام الفعلي.

ولا بدّ في سياق مناقشة تفكّريّة حول هذا الكتاب من الوصول إلى خلاصات وطنيّة، لعلّ أبرزها أنّ مقلّد قد حمّل النّخب اللبنانيّة مسؤوليّة التهرّب من سبر أغوار مناقشة ما اقترفته أيديهم بل انكبّوا في البحث على كيفيّة تقاسم الغنيمة التي غنموها من سبيهم للدّولة.؛ حتّى بتنا اليوم في دولة مارقة فاشلة ساقطة بفعل ارتكاباتهم. أمعنوا في اغتصاب السلطة ونحر الدستور حتّى بات النّظام بحدّ ذاته كفقّاعات الصابون فارغًا، والصيغة سقطت. حتّى الثقافة تبدّلت وغدت ثقافة للموت عوض الحياة. فتزعزع البنيان، واهتزّت المنازل والخطر دقّ على الأبواب من جديد.

توجّه مقلّد في هذا الكتاب إلى المارونيّة السياسيّة والكسليك والشيعيّة السياسيّة و»حزب الله» وحركة «أمل» وأهل اليسار والإسلام السياسيّ والأصوليّات على أنواعها والتنظيمات القوميّة والعلمانيّين والفدراليّين ورجال الدين والقطاع المصرفيّ ومنظَّمة التحرير الفلسطينيّة والنظام السوريّ والممانعة والمجتمع الدوليّ، وذلك في محاولة منه لاستفزاز وطنيّة هؤلاء جميعهم.

كما عرض مقلّد في كتابه هذا خروج الشيعيّة اللبنانيّة عن المسار الكياني الذي رسمه لها الإمام المغيّب موسى الصّدر. حتّى باتت اليوم لناطقيها تغرّد خارج سرب الكيانيّة اللبنانيّة، فيما أكثريّتها الصامتة لا تقبل إلّا أن تكون في صلب هذه الكيانيّة، وما عادت هذه الأكثريّة صامتة بل علا صوتها ليحاكي جبل الأرز من قمم جبل عامل ودساكر بنت جبيل التي تنادي دساكر الكورة وبشرّي، فيما بحر صور يناجي بحر بيروت وجونيه وعكّار.

وبرغم ذلك كلّه، إلّا أنّنا لا نوافق الدكتور مقلّد في توصيفه للفدراليّة وللفدراليين وعطفًا حديثه عن الخلاف حول الصيغة اللبنانيّة. فبرأينا طبيعة الخلاف اللبناني هي صيغويّة – هويّاتيّة لأنّ المقاربة الوطنيّة التي بني على أساسها لبنان الكبير قامت على جناحي لبنان الحضاريّين. من أين نستولد حضارة جديدة لا تشبه طبيعة المجتمع اللبناني المركّب؟

إيماننا أنّ كلّ مجتمع مفكّك ومنقسم بحاجة إلى نظام سياسيّ وصيغة سياسيّة توحّد المنقسم فيه، وتحدّد كيفيّة إدارة هذا التنوّع. والعلم أثبت أنّ النّظام الأنجح لإدارة التعدّديّات المجتمعيّة هو النّظام الفدرالي. ولقد أثبت نجاحه في أكثر من 25 دولة في العالم.

أمّا إذا كان الانتقال إلى هذا النّظام يخيف مكوّنًا أساسيًّا من التركيبة المكوّناتيّة – الحضاريّة – اللبنانيّة فلندخل عبر الطائف ومن خلاله في مرحلة انتقاليّة تبدأ باللامركزيّة الموسّعة إلى أقصى الحدود. مع تأكيدنا أنّ الاشكاليّة اللبنانيّة ليست من طبيعة إداريّة بل هي من طبيعة سياسيّة محضة. لذلك وجب علاجها بالدواء الأمثل.

وبدا الدّكتور مقلّد في مؤلَّفه هذا صائبًا في توصيفه للأفكار القوميّة حيث نوافق معه على استشهاده في الصفحة (43) بقول عبد الإله بلقزيز إنّ “الفكرة القوميّة قد تحوّلت إلى إيديولوجيا متكلّسة وتشظّت كياناتها التنظيميّة لتسبح حلقاتها الميكروسكوبيّة في فلك الأنظمة وتعيش أمجاد الماضي.” يكفي كيف أنّ هذه التنظيمات التي لا زالت حتّى اليوم تنتهج هذا المنهج الفكري ترمي بنفسها في أحضان أيّ خارج، عارضة جسدها السياسي للاستغلال غير الأخلاقي بهدف تحقيق مكاسب غير وطنيّة على حساب مصلحة الوطن.

هذا المفكّر الذي قام باقتراح مصطلحات ومفاهيم أراد من خلالها – الأسلوب والصياغة والاقتراح – تجذير النظر النقدي في سياق يعرف أن المؤمنين «بحاجة الوعي العربي إلى النقد والمراجعة قلة في مجتمع عربي مسكون بفكرة الحقيقة ومصاب بالكسل المعرفي».

كما بدت لافتة مقاربة الدكتور مقلّد للعروبة (44-45) سواء أكان ذلك بالنسبة إلى المسيحيين أم إلى المسلمين. وهذا ما حدانا إلى البحث عن مظلّة جديدة تخرج اللبنانيّين من بوتقاتهم التي حاولوا اصطناع هويّة لهم في محاولة للخروج من آثام الطائفيّة السياسيّة البغيضة. وهنا بالتحديد اسمحوا لي أن أدعو الدّكتور مقلّد لجلسة سياسيّة تفكّريّة في طرحي السياسي الفلسفي الجديد الذي سيصدر في كتاب تحت عنوان ” الكيانيّة اللبنانيّة” في الأيّام القليلة القادمة.

ولعلّ أبرز تجليّات مقلّد برزت في معرض قراءته النّقديّة لليسار اللبناني في الفصل الرابع من كتابه حيث استعرض تجربة المناضلين الشيوعيين جورج حاوي ومحسن إبراهيم حيث لعابر مقلّد أنّ اليسار قد فرّط بالوحدة الوطنيّة الهشّة أساسًا على حساب انحيازه للقضيّة الفلسطينيّة ما أدّى إلى تدمير السيادة الوطنيّة على ما أورده في الصفحة (55) .

أمّا مقاربته للإسلام السياسي ما هي إلّا نتاج قراءة موضوعيّة ورؤيويّة لما نعانيه اليوم في عالمنا وإلى مآلات الأمور في المستقبل القريب. إنّه لعمري فصل باهر في تاريخ البشريّة النقديّة. وهذا ما رأينا فيه كوّة في المستقبل السياسي لمنطقة الشرق الأوسط على وجه التّحديد، وهدمًا للجدار الجديد الذي نجح في بنائه هذا الفكر بعد سقوط جدار برلين. إذ اعتبر مقلّد ونؤيّده 100% أنّ الإصلاح الديني هو مدخل إلى الدّين الجديد. وهذه قراءة دينيّة مميّزة من علمانيّ متديّن بدين الانسانيّة والمحبّة والسلام على ما أورده في الصفحة (69) بعد تذليله أطر الاستبداد الدّيني كلّها.

وفي الفصل السادس من مؤلّفه قارب مقلّد فلسفة الممانعة التدميريّة حيث اعتبر أنّ “الوطن هو الأهمّ ولا وطن من غير دولة … ولا حلّ خارج الدّولة” (77) وعندما نجحت الممانعة بإسقاط الدّولة سقط مفهوم الوطن. وبالتّالي وصلت إلى هدفها حيث تدمّرت حدود الوطن لصالح ما هو أوسع منه أي المبدأ الإيديولوجي الذي يضرب الحدود والجغرافيا، ويطوّب الديمغرافيا العدديّة على حساب التعدّديّة الحرّة. وعندما تسقط هذه الحرّيّة يسقط الوطن والانسان. وتنتصر الإيديولوجيا ويصبح الموت نهج حياة. ونجح مقلّد بتفنيد أخطاء الممانعة شرّ تفنيد في الصفحة (78) التي اعتبرها ضحيّة في ص (80) لتسلم القيادة التي تدين إليها بالارتهان
.
ولا نوافق الكاتب الدكتور مقلّد في الصفحة (83) على أنّ 14 آذار خطأ تكتيًّا لأنّنا نعتبر ثورة الأرز نهضة سياسيّة لم يكتب لها النّجاح بسبب خوف بعض الذين ركبوا موجتها زورًا وقدّموا التنازل تلو الآخر حتّى نجحوا بتطبيق القول ” من بيت أبي ضربت”.

وفي الفصل السابع يعرض الدكتور مقلّد رؤيته للحلّ في القضيّة اللبنانيّة بعد حرب غزّة، ونوافق معه بالتمام بأنّ ” قيام دولة إسرائيل على أساس ديني مخالفًا لطبيعة العصر” (85) ولاسيّما أنّنا من المؤمنين بلبنان الدّور والرّسالة حتّى آخر قطرة من دمائنا. وقد نعيش بعضنا مع بعض بشكل مختلف لكنّنا حتمًا سنعيش مع بعض. ومسار حياتنا هو النقيض الذي يبشّر به الدّاوديّون. ولاسيّما أنّنا نؤمن بما طرحه قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني في العام 1997 ليدمّر ما طرحه قبله بعام 1996 الفيلسوف اليهودي صموئيل هنتغتون عنيت هنا مبدأ صراع الحضارات ونظريّته النقيضة لبنان الرسالة. وبالطبع لن يكون انتصارنا على هذا الفكر بالسلاح الغيبي كما أورد مقلّد في الصفحة (87)، بل بنهج ثقافيّ حضاريّ حياتيّ يقوم على مبدأ أنّنا خلقنا للحياة بكرامة لا للموت بمذلّة كرمى عيون أحد.

وبدت لافتة دغدغة السوفياتيّة التحرّريّة لفكر مقلّد على ما أورده في الصثحة 90 كيف لا وهو صاحب الفكر التحرري الشيوعي الذي إن تعارضنا مع فلسفته العمليّة نتوافق مع مبدئيّته في المساواة المجتمعيّة وليس الاجتماعيّة.

ونوافق في طرح مقلّد تحديد العلمانيّة المتحرّرة من النّشاز السياسي حيث يعتبر أنّها من “شجرة عائلة الدّولة الحديثة أي الدولة الديمقراطيّة التي يعيش فيها المتنوّعون من أصحاب الرأي والرأي المختلف تحت سقف الدّستور.” (101) فجلّ ما نريده هو أن يستعيد الدّستور هالته حتّى يستحقّ منّا أن نعمل على تطويره ليكون في خدمة الوطن وأبنائه.

ونتألّم مع مقلّد في استعراضه للمآسي التي ضربت الجسم الصحافيّ اللبناني في مراحل الاحتلال والوصاية وما بعدهما. ولاسيّما أنّنا نلنا قسطًا على قياسنا من هذا الاضطهاد.

ويختم مقلّد كتابه بالحديث عن المجتمع الدّولي الذي يسعى لدرء خطر النزوح السوري عته ولو على حسابنا كلبنانيين.

في نهاية المطاف، إنّ الدكتور محمّد علي مقلّد في مؤلّفه البانوراميّ هذا نجح باستعراض مراحل الحرب الأهليّة كلّها، وصولًا إلى الحرب الصامتة التي ما زلنا نعيشها منذ ما بعد مرحلة الطائف وحتّى يومنا هذا. وافقنا معه على معظم هذه التشخيصات الدّلاليّة. ولم نوافق على بعض جزئيّاتها. فبنهاية المطاف الجماليّة اللبنانيّة تكمن في هذا الاختلاف الذي بوجودنا معًا نمنع من تحوّله إلى خلاف. كي لا نسمع الدّيّان ينتهرنا قائلا: ويل لكم لأنّكم سلّمتم ما استلمتم كما استسلمتم.

اخترنا لك