تفجير مرفأ بيروت : إهراءات المرفأ أهرامات لبنان

بقلم مهى دمشقي – ناشطه حقوقية ومحاضرة أكاديمية

ادعو  القرّاء الكرام الى مشاركتي ضرورة استذكار   جريمة تفجير المرفأ لتدمير مستقبل لبنان ، من أجل تحفيز أنفسنا على إعِادة استملاك الأدوات الفكرية والروحية التي اختزنتها ابداعات بناء الإهراءات الفريدة، وكانت ممارسة ثقافية مخصوصة، جسّدت حضارتنا  أي حضورنا في المكان من خلال النهوض بفعل عمراني، وحضورنا في الزمان من خلال نهوضنا بفعل تاريخي على أعمق وجه…

كل حضارة لا تزيد في العمران ولا تفعل في التاريخ لا حضور  لها اليوم وفق علوم  السياسة والمنطق والإجتماع، خاصةً وسط  الوجود المأزوم بالهوية والانتماء والولاء، وكذلك في عالم الاختراق الثقافي والكثافة المعرفية،ودقة تقنيات الاتصال العابرة لكل شعاب عيشنا اليومي.. وشراسة الحروب السيبرانية المدمرة القائمة بين الأقطاب المتنافسين على احتكار الأرض والفضاء !

نقف معاً ومعاً نستعيد، من لب تفجّعنا على تبدّد  كينونتنا  الإنسانية ومن صلب توجّعنا على تشظّي علاقتنا بالمكان والزمان الذي أصابنا من جراء تفجير مرفأ بيروت، قلب لبنات، في جريمة كونية غير نووية غير مسبوقة…

فقد أراد من يقف وراءها تخطيطاً وتنفيذاً وتواطئاً،  فرض تغييرات وتثبيت تعديلات جيو-سياسية، لا زالت تدور فصولها القاهرة لتكرّس موازين إقليمية ودولية جديدة تلائم خطط وخرائط توزِّع خطوط النفوذ والتسلط “لكبار اللاعبين المتحالفين والمتخالفين  في الخارج والداخل” على مقدّرات وأقدار “الصغار المتبّعين المغيّبين ” على امتداد خطوط التماس  الملتهبة التي  نكتوي منذ عقود بنارها… 

نستذكرها فيما الروح الجماعية اللبنانية الوطنية منكسِرة  ميتّمة على فجيعة الفكر المستسلم والجسد القومي المنهك، زد عليه هول أن تتهاوى أمام أعيننا اليوم اهراءات القمح والوفرة والأمن الغذائي، واحدة تلو الأخرى، وكانت لم تزل صامدة مثلنا نحن الشعب، وشاهدة معنا ومثلنا ، بإباء ومهابة وجلال، على تمادي إجرام واستهتار كل المسؤولين عن إدارة وصون مقدرات البلاد، وكل العابثين بعيش العباد.

إهراءات لبنان هي بحق أهراماته…وهي الأكبر والأقدم في الشرق الأوسط، وقد أراد لها هؤلاء ان تدفن مع زوال معالمها كل الادلة الساطعة  ضد حقارة ادائهم، ومعها عزمنا و تصميمنا وعنادنا ونضالنا من أجل البقاء والعيش عزيزين كريمين طامحين بغد أفضل   لنا و لأحفادنا…

نعم كل هؤلاء يريدون بغياب رسم واسم اهراءاتنا محو ذاكرة وطن ومسيرة وكفاح  شعب وتاريخ بناءٍ ونهضة مجتمعية وعمرانية ومرحلة رفاه وعلم وإنجاز كانت مدوّية إنما قصيرة العمر، أين قصّرنا ؟

كيف نهتدي وبمن نقتدي لنبدأ من جديد ؟…لا بدّ من قادة جددبأية معايير نصنعهم ؟وأين نجدهم ؟

نستذكر لنسترشد على هدى ذلك الإبداع  الذي كان وشروطه،  وهو وحده كفيل بأن ينتشلنا من الإنحطاط الممدود ويهيئ للتغيير السياسي – الوطني الريادي والقيادي المنشود.

“متى عجزنا عن التخيّل عجزنا عن التنبّوء” 

يقول غاستون باشلار عالم الاجتماع الظاهراتي في كتابه الفريد “جماليات المكان”

التخيّل والتنبّؤ  صفات ذهنية – روحية يجب أن تتوافر لتهيّئ للخلق كونه فعل تخطٍ للذات كفعل بناء الأهراءات الذي لم يليه او يوازيه في لبنان المعاصر اي فعل آخر بغايته ( ضمان الأمن الغذائي الوطني والسلم المجتمعي وحق عيش الإنسان الأول ) وبكمال هندسته وجمال تنفيذه.

كانت الأهرامات الصرح اللبناني الأكبر والرمز الاعلى للفكر  السياسي الرشيد والتخطيط الدولتي السليم ،  وللتنفيذ المؤسساتي والعلمي المتقن، وللإدارة الناجحة و النموذج الرائد الممكن  والذي كان يجب أن يُقتدى به ليعمّ ويسود…

الخلق فعل ينبع  من الفكر الهادئ الصافي، والمؤهلون له  يتّسمون بالوعي  وحس التعاطف الموسِّع لإنسانية الإنساناهراءات المرفأ جملةً وتفصيلاً قد أنجزه حتماً نخبة من المبدعين اللبنانيين الذين قلّما نرعاهم او ننتدبهم  او ننتخبهم لتولي المهام،حتى درجنا على  تقزّيم ودحر فكرهم الخلاق تحت مسميات عقائدية عقيمة، وعلى عملقة صعاليك الرؤى ومحدودي  التوجهات تحت نفس المسميات العقيمة…الى ان بلغنا حدّ الشعب السخيف في دولة تافهة !!

المبدع يملك هدياً داخلياً، ويرى الأشياء وما يمكن أن يكون، كما لم يرها احد من قبل، وكل مبدع يكون مغايراً لنمط العيش و للفكر التقليدي السائد من حوله، إذ تتحرّر شخصيّته الخلاقة من المسايرات والتنازلات التي تتمّ دوماً لصالح الروحية السائدة،والعرف والتقليد السائد، فتجد طريقتها الخاصة في تجسيد إبداعها لتحدث النقلة التغييرية النوعية في محيطها وهذا لا يتاح الا لأصحاب الرؤية والعزم والتصميم والثبات، تحدوهم قيم الحق والعدل والخير والجمال، يثمرون أينما زرعهم الله !!

ونحن من ثمارهم نعرفهم !!

فتكون رؤيتهم وجهتهم.. ووجهتهم أفكارهم..وأفكارهم أعمالهم..وهي نتاج الطاقة الكامنة والمتجددة والتي أنعم بها الله على كل منا..ومبعث الإرادة الواعية  التي ينبثق منها كل فعل يُسمّى “حيّ العمل”…

فكل ما يبتدئ حرية تفكير يتحوّل الى حرّية تعبير قابل ليتجسدّ حريّة عمل، اي إبداعاً منجزاً بالفعل في هذه الحلقة يتكامل دور الفرد وقوة التفردن “individualisation”

مع دور الجمع “وقوة التجمعن” socialisation”, حين يكون المجتمع الحاضن غير قمعي، بذلك يتمّ الحراك المعرفي اليومي منتقلاً بالحاضر ومن فيه الى أعتاب المستقبل بمنتهى التناغم مع الزمن الذي لا يسير إلا نحو الامام.

في ذكرى تفجير المرفأ الثانيةوتداعي اهراءات الأمن والأمان أمام اعيننا ماذا ترانا نريد فرادى وجماعات ؟!هل نكتفي بالاستسلام لتماثيل “أبو الهول” المتحكمة بمصيرنا ؟ام نثور على أنساقنا الاجتماعية وانماطنا السلطوية الهرئة التي سدّت علينا جميعاً منافذ الحياة الحقة التي من غاياتها تحقيق الذات، لننطلق الى الفعل الخلاق التغييري ولنحافظ على ما تبقى لنا من مكتسبات قبل فوات الأوان…

الفارق كبير بين ان نعيش فقط بالجسد والحواسأو أن نحيا حقاً بالحدس والفطرة والإحساس بأبعادنا التكوينية الثلاث روح – فكر – جسد ؟!علينا أن نختاروما نختار هو غالباً ما نستحق

وما نستحق هو ما نريدوحين نريد الله يريد !

اخترنا لك
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.