إصرارٌ يثيرُ التساؤلات… لماذا يريدُ حزب الله رئيساً توافقياً ؟

في أكثر من مُناسبة خلال الفترة الأخيرة، سعَى “حزب الله” إلى تردادِ شعار “الرئيس الوطني والتوافقي”، من دون طرحِ أيّ مواصفاتٍ قد تتشابَه في ماهيّتها مع تلك التي تطرحها الأطراف السياسية الأخرى.

في الشكل والمضمون، قد يحمِلُ خطاب الحزب في هذه المرحلة تساؤلاتٍ عمّا يُضمِره للمرحلة المُقبلة، إلّا أن ما يبدو حالياً هو أنّ هناك تقصّداً لإطلاق مواقف تندرج في إطار التهدئة، وهذا أمرٌ قد ينسحبُ باتجاه إرساء “تسوية” مُرتقبة في مرحلة تحتاجُ إلى “سلميّة” بالتوافق مع الأطراف مُجتمعة.

بمعزلٍ عن مُجريات الأيام التي ستلي انتهاء عهد رئيس الجمهورية ميشال عون، باتت مختلف الأطراف السياسيّة تسأل عن مدى اندفاعة “حزب الله” باتجاه “الرئيس التوافقي”، في وقتٍ اعتبرت جهات عديدة أن هناك “قُطبة مخفيّة” في تلك المطالبة التي غابت تماماً عن المشهد الرئاسي عام 2014 بعد دخول البلاد فترة شغورٍ رئاسي استمرّ حتى العام 2016 حينما انتخب عون رئيساً. وهنا، يُطرح السؤال التالي: لماذا يُصرّ الحزب على التوافق بشأن الرئيس؟ ما الذي اختلف اليوم ؟

عملياً، يبدو الحزبُ مُحتاطاً من أي كلامٍ يُمكن أن يُقدّمه بشأن استحقاق رئاسة الجمهوريّة، وقد يكون ذلك مُرتبطاً بنقطة أساسية عنوانها تجنّب الإقدام على وضع أيّ شروطٍ في مرحلة مُبكرة. وبمعنى آخر، يظهر أن الحزب يعملُ مع الملف الرئاسي على مراحل عديدة، وبالتالي فإن الوضع السياسي القائم حالياً، يستوجبُ – بالنسبة له – مُهادنة وتفادياً لطرح أي شروط تعجيزية، كي لا يظهر في مقامِ “المُؤثر السلبي” على مشهد الاستحقاق المُنتظر.

مع هذا، وفي الوقت الرّاهن، فإنّ ما يمكن توقعه هو أنّ الحزب قرّر اختيار شعار “التوافق” ليُجنّب نفسه اتهام طرح “رئيس صدامي” مثلما حصلَ مع عون عام 2016. كذلك، فقد ترى جبهة حارة حريك أنّ المرحلة المُقبلة ضرورية لـ”إراحة الحزب” قليلاً من تحميله مسؤولية إيصال رئيسٍ ينتمي مباشرة إلى محورِه، باعتبار أن التجربة مع الرئيس عون لم تكُن مشجعة بالقدر المطلوب.

فمن جهة، يكون “حزب الله” قد تخلّص من عبء إيصالِ رئيس محسوبٍ عليه مباشرة وفتحَ الباب أمام ضلوع مختلف الأطراف في تسمية الرئيس، الأمر الذي يُساهم في وضع حدّ للعراقيل أمام الأخير خلال عهده.

في الواقع، يمكن أن يكون “حزب الله” قد انطلق من هذه الأمور في مقاربتهِ الرئاسيّة، في حين أنّ السعي الأساس وراء “التسهيل” هو الخروج من الأزمة التي ارتدّت سلباً على الحزب ضمن بيئته الحاضنة بالدرجة الأولى.

ولهذا، تُثبت الدّلائل الحالية “انكفاءً” للحزب عن معركة الرئاسة أقله في طرح مرشّحين، والنقطة المحورية هنا تتحدّد في دعم مرشح عبر محور كامل وليس من خلال جهةٍ مُعينة، أي أن الحزب لن يكون وحده في معركة الطروحات بقدر ما سيكون ضمن تحالفٍ عريض واسعٍ لطرح شخصية للرئاسة.

وإستناداً إلى ذلك، بات تحرّك “حزب الله” وثيقاً مع حلفائه لاستنهاضِ الالتزام الكامل بجبهة واحدة، لكن الأمر هذا لا ينكر وجود أبواب للتوافق مع أطراف أخرى خارج محور “الممانعة” على رئيسٍ جديد، وهذا ما يمكن أن يمهد إليه التقارب المُستجد مؤخراً بين “حزب الله” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”.

في خلاصة القول، تكشف الوقائع وجود نمطٍ جديد من قبل الحزب تجاه الرئاسة الأولى، وقد تكون التجربة في عهد عون خير مُحفّز للابتعاد عن الاصطفافات أو الصّدامات، حتى وإن لم يتم الإفصاح عن ذلك بشكلٍ مباشر أو علني.

اخترنا لك