الشرق الأوسط مهد الحضارات…

القضيّة اللبنانية لا شيء مستحيل

بقلم د. ميشال الشمّاعي

عن القضية اللبنانية، ولا سيّما إمكانية مواجهة منظمة حزب الله المسلحة بالسياسة، يرى البرفسّور وليد فارس أنّ الوضع في لبنان ليس بهذه البساطة، لأنّ ” المعادلة الحالية القائمة أساسًا من 1990 مع سقوط مؤسسات الدولة وقتها وقيام دولة الطائف وسيطرة سوريا والنظام الإيراني على دولة الطائف تدريجيًّا على مدى 15 عام، جعل من هذه المنظومة للمحور سيطرة شبه كاملة على لبنان. ”

فهور يرى أنّ” عملية إسقاط الاحتلال السوري تمّت بظروف إقليميّة، وبتحرك ضاغط لواشنطن. ” وفي هذا السياق بالذات يعقّب فارس أنّ ” هذا ينسف النظرية القائلة إنّ واشنطن هي دائما مع تسليم لبنان إلى سوريا وإيران. فلا شيء دائم في الولايات المتحدة الأميركيّة.” وشبّه فارس المسألة بالموجات، مثلاً في موجة أوباما يتم التقارب من إيران والتضحية في المعارضات في الداخل الإيراني. فتأتي مرحلة ترامب فيحدث العكس تمامًا.

ويرى فارس أنّ الموجة الآن تحت إدارة بايدن هي نفسها مع إدارة أوباما، وبالتالي هي مع التسليم والصفقة والاتفاق النووي الإيراني؛ وهو يرى أنّ ” الصفقة مع حزب الله بموضوع ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل. هي فقط حول المال والمدخول.” ويؤكّد فارس بالنسبة إلى القضيّة اللبنانيّة أنّ ” ما يحدث اليوم لا يعني بالضرورة أن المعادلة سوف تكون دائمة، فالسياديّون الاستقلاليّون أو أنصار لبنان الحرّ لهم قوّتهم الشعبية والمدنية والسياسية والإغترابيّة وهم عمليًّا أكثر من نصف لبنان.”

ويشخّص فارس المشكل في لبنان بأنّه ” بالرغم من وجود قوة لدى المعارضة المقاوِمة لحزب الله فإنّه للأسف مَن يدير هذه المعارضة أو النخبة التي تخطط لهذا الموضوع، لم تحسن التخطيط في المرحلة الماضية، وهذا لا يعني أنها لن تتغير أو تحسن التخطيط فيما بعد. ”

ويستعرض فارس كيف أتتها ظروف مع ثورة الأرز في العام 2005 وخروج القوات السوريّة، حيث كان على 14 آذار وقتها الاستمرار لأنّ الفرصة قد لا تأتي مرّة ثانية. فلقد كان معهم القرار 1559 وحكومة وأكثرية في البرلمان. وهذه العناصر كانت كافية لكي يطلب التدخل الدولي لكي يحرّروا على الأرض ما يمكن تحريره. لكن عاد حزب الله وأطبق على لبنان منذ 2008 .
ثمّ جاءت فرصة ثانية في العام 2019 مع وجود إدارة ترامب ونزول ملايين لثلاثة أشهر، وكان هنالك قدرة وفرصة أن يتم المطالبة بتدخل دولي. ولحظ البرفسّور فارس في هذا السياق ” إمكانيّة فرض نوع من المقاومة الشعبية وهي كانت موجودة على الأرض، لإقامة منطقة حرة من بيروت وربما أبعد من بيروت من الشوف حتى الحدود السورية. هذا الخيار كان ممكنا.” ويحمّل المسؤولية في تلك المرحلة لما سمي بالتغييريين يعني الليبراليين اليساريين، لأنّه ” من ناحية تمّ خرقهم من قبل حزب الله ومن ناحية أخرى كانت أفكارهم “نظراتيّة” فقط.
من دون أي مشروع براغماتي ولم يتوجهوا إلى الغرب أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولعلّ هذا ما أخفق تلك الثورة.”
ويرى فارس ” الآن منذ 2021 هنالك فرصة وهي كالآتي:
1- البطريركيّة المارونيّة في لبنان أعلنت عن عزمها إعلان التدويل أو المؤتمر الدولي.
2- هنالك مشروع في الكونغرس الأمريكي من قبل الإغتراب، وأعضاء في الكونغرس يطالب بالمنطقة الحرة.
3- هنالك عدد كبير قد أتى به السياديّون وأحزابهم التقليدية في البرلمان الأوروبي في أيار الماضي.

فكلّ هذه العناصر لو اجتمعت بعضها مع بعض بإمكانها أن تفرض الحدّ الأدنى. فالجميع يعرف أنّه لا يمكن أن تحرّر كل لبنان من حزب الله بهذه الطريقة بسرعة. فهذا مستحيل.” ويؤكّد فارس أنّ ” بإمكان هذه القوى لو اجتمعت وخطّطت أن تحصل على دعم بالحدّ الأدنى من الولايات المتحدة الأمريكية ومن التحالف العربي- الأمر الذي لم يكن موجودًا في الماضي- وأن تفرض على الأرض أن يتحرّر جزءًا من لبنان.”

ويرى أنّه “على المعارضة في لبنان أن تعتمد استراتيجيّة الأبعاد المختلفة: مظاهرات، واستفتاءات محليّة، وتواصل مع الاغتراب وبرلمانات العالم. وذلك تزامنًا مع تحرير المناطق بتنفيذ القرار 1559 .”

وفي موضوع المقاومة الميدانيّة كما يسمّيها البرفسّور فارس يؤكّد أنّه “بإمكان الأهالي في هذه المناطق أن يعلنوا رفضهم لمرور الميليشيات، وأن يقاوموا إذا دعت الحاجة. فحزب الله لن يغامر فيها، وبالتالي على القوى الاستقلالية أن تعلن أنها هنا، موجودة في هذه المناطق الحرة، وهي لها تمثيل في البرلمان اللبناني والبلديات المحلّيّة، ولديها جاليات هائلة.” وعن هدف هذه المقاومة يجزم فارس بأنّه “يكون حماية المناطق الحرة، فهذا ممكن ومشروع، ومحميّ من قبل القانون الدولي. ولكن إذا لم يتحرك حزب الله ميدانيًّا تبقى المقاومة سلمية، أمّا إذا تحركت المليشيات الارهابية ضد المناطق المحررة فلها الحق عندها في المقاومة كما شهدنا ذلك مؤخّرًا في عدّة أماكن من لبنان.”

ويختم البرفسّور فارس حديثه لجسور عن القضيّة اللبنانيّة مؤكّدًا ” أنّ ذلك كلّه يمكن أن يتقدم في الوقت نفسه بانتظار موجة ا التغيير التي بدأت في أوروبا، وهي ستحصل في الولايات المتّحدة الأمريكية بعد الانتخابات القادمة في أقلّ من الأسابيع الثلاثة القادمة وصولاً إلى الكونغرس الجديد.”
في المحصلة تنتظر منطقة الشرق الأوسط تغيّرات هائلة، لن تسلم منها معظم الدّول من شطّ العرب إلى شطّ المتوسّط. والبوصلة ستتركّز بين هذه الدّول الثلاثة أي إيران والعراق ولبنان. ولا يبدو أنّ الانتظار سيطول. فموجات التغيير قادمة لا محالة. وهي بدأت من اوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركيّة وستكون تداعياتها كبيرة وفاعلة جدًّا في منطقة الشرق الأوسط. ما علينا إلا الترقّب والانتظار والعمل على تحسين شروط الانتقال الهادئ كي لا تنزلق بلدان الشرق الأوسط إلى حروب من طبيعة إثنيّة – طائفيّة لا سيّما وأنّها الأرض الأخصب لهكذا صراعات. فهل ستشكّل أزمة الطاقة في أوروبا والعالم ذريعة تؤمّن الاستقرار والثبات في هذه المنطقة، لتتحوّل إلى واحة استثمار لمصادر الطاقة في المئة سنة القادمة؟

اخترنا لك