المواجهات الحدودية… القصة أبعد من “ملاحقة المهربين”

NW

منذ أيام، تشهد الحدود اللبنانية السورية تطورات متسارعة، عنوانها الظاهر “ملاحقة المهربين”، لكن القصة أعمق بكثير، فالإشتباكات التي اندلعت بين قوات الإدارة السورية الجديدة ومسلحي العشائر ضمن الأراضي السورية، ليست سوى فصل جديد في ملف متخم بالجراح وتصفية الحسابات المؤجلة.

المسألة ليست وليدة اللحظة، وليست فقط مجرّد حرب على اقتصاد الظل الذي ازدهر على أنقاض الدولة برعاية “حزب الله”، أحد أبرز أركانه التهريب على إختلاف أنواعه وتجارة المخدرات، فجذور القصة تعود إلى سنوات الحرب السورية، يوم تم تهجير أهالي مناطق القصير وغيرها من المناطق على يد عناصر “حزب الله” وبمساندة بعض أبناء العشائر، ومصادرة أملاكهم وأراضيهم، وتحويلها إلى أوراق ضغط ومساومات سياسية وأمنية، ويوم ظنّت العشائر التي تقطن في البلدات السورية أنه لا يزال بإمكانها التعاطي مع الوجود هناك وكأنه حق مكتسب، وتملك أريحية في حمل السلاح وفتح طرقات التهريب كما كانت سابقاً.

قبل أيام من بداية المعارك وزعت على وسائل التواصل الإجتماعي رسائل صوتية لأحد المطلوبين دعا خلالها إلى معاقبة كل سوري ومحاسبته في البقاع، ربطاً بتسلم القوات السورية الجديدة زمام الأمور عند الحدود وخصوصاً في البلدات التي تقع ضمن الأراضي السورية كـ “زفتا، مطربا، حوش السيد علي، العقربية” وغيرها، والتي للمطلوبين باع طويلٌ فيها من الممتلكات وخطوط التهريب.

كذلك جرى وفق معلومات من الداخل السوري حصلت عليها “نداء الوطن” خطف عنصرين من “هيئة تحرير الشام” على يد مسلحين. عندها جاء القرار من الإدارة السورية الجديدة بالسيطرة على تلك البلدات التي تخضع للسيادة السورية، وجعلها مناطق منزوعة السلاح، وطرد كل المهربين والمطلوبين منها، وإلقاء القبض على المشاركين في خطف العنصرين، كذلك فإن ما قام به عناصر “حزب الله” على مدى سنوات الحرب مع تلك المناطق، والذين لا يزالون يحتفظون بوجودٍ لهم قرب الحدود، لم يغب عن ذاكرة هيئة التحرير.

دفعت القوات السورية الجديدة بعناصرها إلى البلدات السورية عند الحدود السورية اللبنانية من جهة الهرمل وصولاً إلى بلدة أكروم ضمن الحدود الشمالية، وبدأت عمليات تطهير المنطقة من المطلوبين والمهربين ومسلحي العشائر الذين يحتفظون بسلاحهم الثقيل، والذي ورثوه أيضاً عن “حزب الله” بعد انسحابه من سوريا والقصير وغيرها.

هبّ مسلحو العشائر نصرةً لخطوط التهريب التي تسعى الإدارة السورية لقطعها وإقفالها، وتم تصوير الحملة العسكرية على أنها ضد العشائر البقاعية وتهدف إلى تهجيرهم. وبدأت حملات التواصل الإجتماعي المدعومة من “حزب الله” بتجييش البقاع وأبنائه، وتصوير ما يجري على أنه استهداف للشيعة في المنطقة على يد عناصر “هيئة التحرير” واستعادة مصطلحات “داعش والنصرة”.

معارك حاسمة استمرت أيام ولا تزال مجرياتها على الأرض، تقدم خلالها عناصر القيادة السورية نحو مناطق عدة وأحكمت السيطرة على تلال إستراتيجية مهمة، تخللتها إشتباكات لأيام بين مسلحي العشائر وعناصر هيئة التحرير، تعاملت خلالها الإدارة الجديدة بحزم، وأبقت الوضع تحت سقف تطهير المنطقة من السلاح وملاحقة المهربين والمطلوبين. وفيما تداعت عشائر البقاع لمساندة المسلحين، إتخذ الجيش اللبناني قراراً بتسلم زمام الوضع عند الحدود من الجهة اللبنانية.

قرار الجيش اللبناني تزامن مع دعوة بعض ابناء العشائر إلى قطع الطرقات أمام المهربين وشاحنات المازوت التي تدخل المنطقة وتنتقل إلى الأراضي السورية، كذلك طلب عدد من زعماء العشائر الوساطة من العشائر الشمالية لا سيما النائب وليد البعريني للتوسط مع القيادة السورية الجديدة ووقف الإشتباكات الدائرة وإبعاد المدنيين وحمايتهم، كذلك تزامنت الدعوة مع مغادرة أبناء العشائر القاطنين في البلدات السورية وعدم مواجهتهم للقوات السورية، ويأتي ذلك بعد أن دفع الحزب أبناء العشائر إلى المواجهة وتخلى عنهم.

إلى ذلك عزز الجيش اللبناني من مراكزه عند الحدود في المنطقة التي دارت فيها الإشتباكات، وفيما كانت مراكزه قبل سقوط النظام السوري تبعد عشرات الأمتار عن الحدود، تسلم عدداً من النقاط التي سيطرت عليها القوات السورية أمس داخل الأراضي اللبنانية، وبات انتشاره عند الحدود مباشرةً، لمنع أي امتداد للصراع الى الداخل اللبناني، ما يفتح صفحة جديدة على الحدود اللبنانية السورية، عنوانه حفظ حدود البلدين، وقطع طرقات التهريب، وملاحقة فلول المهربين، بانتظار ترسيم الحدود الرسمي، ليبنى على الواقع الجديد مقتضى الإنتشار والتمركز الأمني من الجانبين اللبناني والسوري.

اخترنا لك