بقلم عقل العويط
كان صوت أنطوان كرباح هائلًا كزلزالٍ يرجّف. كمثلِ صاعقةٍ، كمثلِ التماعاتِ بروقٍ متتالية على الخشبة وفي فضائها التأويليّ.
ليس الصوت ما أقصد فحسب، بل الجسد بكامل أبّهته، وعنفوانه، وإيقاعاته، ومراتبه، وطبقاته، حاضرًا بكينونته كلّها، بمسامّه، بجنون حركاته، بمواهب يديه، بهيبة خطواته، وبصمته المدوّي. وهذه صفاته التي لم تتغيّب يومًا عن الامتحان، ولم تتلجلج، ولم تتردّد، ولم تخفت، بل كانت تتصاعد على الدوام، فتقدح زناد العتمة، وتشعل، وتشتعل، فيتحوّل المسرح برمّته إلى وليمة ضوءٍ دراميّة عزّ نظيرها.
لم يكن أنطوان كرباج “يمثّل”. بل يتجسّد. وهذا أقصى ما يمكن أنْ يجترحه ممثّلٌ على خشبة. كان يدخل في الدور فيصير وإيّاه واحدًا، حتّى لينسى شخصه الأوّل، أو يتناساه، بل يتخلّى عنه، متخلّصًا من أثقاله وأعبائه، من أجل أنْ يكون هذا الشخص الآخر، الذي هو الغاية، وهو المشتهى.
كم يصعب أنْ تمدح شخصيّةً مسرحيّةً كأنطوان كرباج. كم يصعب أنْ ترثي هذه الشخصيّة. وإذ يتهيّب المرء أمام هاتين الصعوبتَين، يليق بالكلمات أنْ لا تمدح ولا ترثي، بل أنْ ترفع القبّعة لـ”الشخص” في موكب لحظاته وتجلّياته ومحطّاته العامرة. وكم كان موكبه غامرًا ومتألّقًا وجارفًا وحاسمًا، في بيروت الحداثة والمغامرة الإبداعيّة والفنّيّة القصوى، والمسرح الطليعيّ الحديث في الستّينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات، وما بعد، كما الحال في التلفزيون، وصولًا إلى المفترق الأخير، حين اختار الإقامة في الدور إلى آخر أنفاسه وحشرجاته، من دون أنْ يلوي أو ينكسر.
كان أنطوان كرباج موهبّةً كاملةً، وحالةً مسرحيّة، وعلامةً فارقةً، وكان حضوره على الخشبة يجسّد لحظة الارتقاء إلى عيار الذهب الصافي، خلوًا من أيّ غبشٍ ونقصان.
أدواره وشخصيّاته وأسماؤه ومشاركاته الفذّة في المسرح والتلفزيون والسينما، لا تُحصى، وهي أنيقةٌ وعالية ومهيبة ومتنوّعة، ومن شأنها أنْ ترتّب له المكانة اللائقة والدائمة في ذاكرة الفنّ المسرحيّ اللبنانيّ والعربيّ الحديث.