بقلم عقل العويط
سحقًا لكَ، يا أنتَ، يا ريتشارد باورز.
يجب أنْ تحذف هذا المقطع من روايتكَ الأخيرة، “بلايغراوند”Playground (أرض الملعب)، حيث تقول لا يمكن مصالحة الأمل والحقيقة. ليس لأنّ كلامكَ غير صحيح، بل لأنّ مَن يفرض “الحقيقة” هو آلة، وحش، مقاول، قوّاد، ويشتغل بالأزرار.
هل تستطيع، مثلًا، أنْ تجاوبني كيف أستطيع أنّ أنفّذ على الفور، وبدون استئناف ولا تمييز، إملاءات ترامب ونتنياهو وخامنئي (وأتباعه)، معًا وفي آنٍ واحد، وهنا، في لبنان؟ ألا تعلم أنّ الحقيقة هي “حقائق” الطوائف والمذاهب والعشائر والقبائل والمافيات والعصابات؟! قلْ، كيف أستطيع، عمليًّا وواقعيًّا وفعليًّا، أنْ أمحو “حقائق” الفساد، وأحقّق الإصلاح، وأجمع السلاح، وأحرّر الأرض، وأعيد الإعمار… والودائع، وأبسط سلطة دولة القانون؟!
إذهب من هنا. خذ روايتكَ وامشِ. لا تنظر إلى وراء. لا تفكّر في مخاطبتنا بهذه الطريقة.
إنّي شخصيًّا أطردكَ طردًا، كما تُطرَد الشياطين.
ما تكتبه صحيح، لكنّه يغلق الصفحة. يرفع حائطًا عدميًّا كالحائط الذي يشيّده هؤلاء الوحوش و”الآلهة” أعلاه.
كذِّبْ علينا. لا تقلْ إننا محكومون باليأس، بالعدم، وإنهما حقيقة حياتنا البشريّة. بل هما الحقيقة الوحيدة.
لا نتحمّل أنْ تكون الحقيقة هي “حقيقة” الوقائع الرهيبة التي تجتاح الأمم والشعوب، وخصوصًا عندنا في هذه الأرض الشرقيّة المعذّبة والملعونة. لأنّ هذه “الحقيقة” تسفح الأمل، تغتاله، تجندله. ولا يمكنها أنْ تتصالح معه.
لا أطلب منكَ أنْ تكون واعظًا أو أو متفائلًا.
ماذا تقول؟ أتريدني أنْ أعاين أوضاع العالم من أجل أنْ أتبيّن، بما لا يقبل الشكَ، صحة ما تقوله؟
أتظنّني أعيش في المرّيخ، يا هذا، يا أنتَ، يا ريتشارد باورز؟
أعرف بالقلم والورقة، وبالتفاصيل، ماذا يجري في العالم. وهنا. أعرفه أكثر منكَ. ربّما مثلكَ. أقلّ أو أكثر. لا فرق.
هل يجب أنْ تذكّرني بالديكتاتوريّات؟ بالعنصريّات؟ بالمقابر الجماعيّة؟ بالإعدامات؟ بالمجاعات؟ بفساد الجنس البشريّ؟ بالعدم الذي ينتج نفسه بنفسه، ويصنع الحياة العدميّة؟!
هذا كلّه أمامي، وينخر كياني. ووجودي. وهو صحيحٌ كلّه. ولن يتورّع الجنس البشريّ عن اختراع حقائق عدميّة غير مسبوقة. فسيساعده ذكاؤه الاصطناعيّ، وسيدلّه إلى الحالات التي تفتح شهوات المقابر الجماعيّة، وتضاعفها، وإلى الأمم والشعوب التي تتلهّف لاختراع مقابر جماعيّة إضافيّة.
وغدًا، ستكون الصورة المأسويّة أشدّ وضوحًا وأوسع انتشارًا، كما لو ستُلتَقط بعدسة كتلة الشمس الملتهبة.
لكنّي عنيد. حيط. تيس. ولا أقتنع. وأريد مصالحة الأمل والحقيقة.
تسألني كيف؟ الحقيقة تصرخ: أنقذوني من الحقيقة. أنقذوني من نفسي.
إيّاكَ أنْ تضع اللوم على الأمل. اللوم كلّه يقع عليك، وعلى أمثالنا.
الأدباء مسؤولون عن العالم، يا ريتشارد باورز. عن مصيره. ويجب أنْ يكونوا أساتذة الأمل، ولو كاذبين، ويائسين، ويعيشون في جهنّم الألم والفجيعة.
مصالحة الأمل والحقيقة، لا بدّ منها، وإنْ مستحيلة. ليس في روايتك فحسب، يا باورز. بل هنا، وعلى “أرض الملعب” في لبنان.