التعليم في لبنان بين الماضي والحاضر : هل تُحدث ريما كرامي ثورةً تربوية حقيقية ؟

من التعليم التقليدي إلى التعليم التفاعلي : أين نحن اليوم ؟

بقلم كوثر شيا

لبنان كان لسنوات طويلة مركزًا للعلم والثقافة في المنطقة، ومدارسه وجامعاته خرّجت روادًا في مختلف المجالات. لكن اليوم، أصبح نظامنا التعليمي يعاني من انهيارٍ متسارع بسبب مناهج قديمة لا تُواكب العصر وتُركّز على الحفظ بدلاً من الفهم.تلقينٌ دون إبداع أو تحليل نقدي، مما يُضعف قدرة الطالب على التفكير المستقل.

نظام درجات تقليدي يُقيّم الطلاب وفقًا لاختبارات لا تعكس قدراتهم الحقيقية. بيئة دراسية غير محفّزة لا تُراعي تنمية المهارات الحياتية أو الابتكار، وضغطٌ متزايد على المعلمين مع قلة الموارد، ما يُؤثر على جودة التعليم.

في الماضي، كان التعليم في لبنان منارةً في العالم العربي، لكن ما نراه اليوم هو جيلٌ يعاني من تدنّي مستوى المعرفة، ونظام تعليمي غير قادر على تخريج أفراد مؤهلين للمستقبل. فهل يمكننا إعادة لبنان إلى موقعه الريادي في مجال التعليم؟

ريما كرامي : هل تُحدث تغييرًا حقيقيًا أم مجرد إصلاحات شكلية ؟

مع تعيين الدكتورة ريما كرامي وزيرةً للتربية، تجددت الآمال في إمكانية إحداث تغييرٍ جذري في قطاع التعليم. لكنها تواجه تحديًا ضخمًا: هل ستتمكن من إعادة بناء النظام التعليمي بالكامل، أم أن التعديلات ستكون شكلية كما حدث مع الحكومات السابقة؟

لماذا يختلف نهج ريما كرامي عن الوزراء السابقين ؟

ليست سياسية تقليدية، بل باحثة أكاديمية متخصصة في تطوير الأنظمة التعليمية.
لديها رؤية تعتمد على إعادة التفكير في منهجية التدريس وليس فقط تعديل المناهج.
تؤمن بأن التعليم يجب أن يكون تجربة إبداعية وليس مجرد اجتياز امتحانات.
تضع التكنولوجيا والتعليم التفاعلي في صلب استراتيجيتها لإصلاح النظام.

لكن السؤال الأهم : ما هو النموذج التعليمي الذي يجب أن تتبناه كحل مستدام ؟

لماذا لم يعد التعليم التقليدي صالحًا لهذا العصر ؟

1. نظام الدرجات لم يعد يُعبّر عن قدرات الطالب

الامتحانات التقليدية لا تعكس الذكاء الفعلي أو المهارات العملية.
نظام الحفظ يُنتج طلابًا غير مستعدين لسوق العمل أو الابتكار.
الاعتماد على العلامات يُضعف ثقة الطالب بنفسه ويُقلل من رغبته في التعلم.

2. المعلم لا يزال في دور الملقّن وليس الموجّه

المدرسون مضغوطون بسبب المناهج المكثّفة، ما يجعل التعليم عملية آلية.
لا يوجد وقت كافٍ لتشجيع البحث والاكتشاف، مما يُضعف الفضول العلمي لدى الطلاب.

3. بيئة التعليم غير محفّزة على الابتكار

غياب التفكير النقدي والتحليل في المناهج الدراسية.
عدم دمج التكنولوجيا بشكل فعال داخل الفصول الدراسية.
غياب التركيز على التعلّم من خلال المشاريع والتجارب العملية.

في ظل هذه التحديات، يجب الانتقال إلى نموذج تعليمي حديث يُراعي احتياجات العصر، وأحد أفضل الحلول هو نموذج “مدارس البتلات السبعة”.

Education 3000 : الحل الذي يحتاجه لبنان اليوم

إذا أرادت ريما كرامي أن تُحدث ثورةً حقيقية في التعليم، فعليها تبنّي نموذج “مدارس البتلات السبعة” (Seven Petal Schools)، وهو جزء من مشروع Education 3000 الذي تم تطبيقه بنجاح في دول عدّة.

ما الذي يجعل هذا النموذج مختلفًا ؟

لا يوجد نظام درجات، بل تقييمٌ يعتمد على المشاريع والمهارات الحقيقية.
المعلمون ليسوا مجرّد ناقلين للمعلومات، بل ميسّرون (Facilitators) يحفّزون الطلاب على البحث والاكتشاف.
التعليم يصبح تجربة ممتعة ومُتعددة الأبعاد، وليس مجرد كتب وامتحانات.
يُركّز على الذكاء العاطفي والاجتماعي، وليس فقط على المعلومات الأكاديمية.
يخلق بيئة تعليمية تُحفّز الإبداع، بدلاً من قتل الفضول العلمي.

نظام البتلات السبعة (Seven Petal Schools) : نحو تعليم أكثر تكاملًا

تعتمد مدارس البتلات السبعة على فكرة دمج المواد الدراسية وتنمية مختلف جوانب الطفل العقلية والجسدية والعاطفية، مما يجعله مستعدًا للتعامل مع تحديات الحياة بطريقة متكاملة.

البتلة الخضراء – البيئة والطاقة المتجددة
يُدرّب الطلاب على الزراعة المستدامة، والتكنولوجيا البيئية، وإعادة التدوير، مما يُنمي لديهم الوعي البيئي والمسؤولية تجاه الطبيعة.

البتلة البيضاء – الفنون والإبداع
بدلاً من اعتبار الفنون نشاطًا ثانويًا، يتم استخدامها كوسيلة أساسية لتطوير الخيال، والتفكير النقدي، وحل المشكلات.

البتلة الصفراء – العلوم والرياضيات كألعاب ذهنية ممتعة
يتم دمج الرياضيات مع الفيزياء والكيمياء، بحيث تصبح التجارب الحية والتطبيقات العملية جزءًا من التعلّم اليومي، مما يُحفّز الابتكار.

البتلة الوردية – الذكاء العاطفي وثقافة السلام
تعليم الطلاب مهارات التواصل اللاعنفي، والتأمل، والتفاعل الاجتماعي، مما يجعلهم أكثر قدرة على بناء علاقات صحية.

البتلة الزرقاء – الصحة والحركة
تُدمج التربية البدنية مع الصحة والتغذية، بحيث يصبح الطلاب أكثر وعيًا بأجسادهم ويُمارسون العادات الصحية.

البتلة الحمراء – العلوم التطبيقية والتجارب الحية
يتم دمج الهندسة، البرمجة، والتكنولوجيا، مما يجعل التعلم أكثر عملية وفائدة في الحياة اليومية.

البتلة البنفسجية – التنمية الشخصية
يتم التركيز على مهارات القيادة، والثقة بالنفس، والتطوير الذاتي، لجعل الطالب قادرًا على إدارة حياته بوعي ومسؤولية.

جمعية عطر الأرز : نموذج لبناني ريادي في تطبيق التعليم الحديث

لقد قامت جمعية عطر الأرز بتدريب أوّل مجموعة من الميسّرين المعتمدين في لبنان، وهم جاهزون لنقل هذا النموذج إلى المدارس المحلية بالتعاون مع وزارة التربية والمؤسسات الأكاديمية.

تسعى الجمعية إلى إنشاء مدارس نموذجية تطبّق هذا النظام التعليمي الجديد، ليصبح لبنان نموذجًا عالميًا في تطوير التعليم الحديث.

رسالة إلى ريما كرامي : فلنبدأ ثورة تعليمية حقيقية!

معالي الوزيرة، أنتِ اليوم أمام فرصةٍ تاريخية لتغيير مسار التعليم في لبنان. التغيير لن يكون عبر تعديل المناهج فقط، بل عبر تبنّي نموذج جديد بالكامل يجعل الطلاب مفكرين، مبتكرين، وقادرين على بناء مستقبلهم.

التعليم ليس درجات… التعليم هو إبداع، تجربة، وتفاعل! فلنبدأ اليوم ببناء مدارس المستقبل، لأن لبنان يستحق ذلك.

اخترنا لك