الربح يقضي على اللعب إذ يحوّله إلى جدّ

بقلم غسان صليبي

تعريفات اللعب تتقاطع وتتفق على انه “نشاط لا يهدف إلى غاية أو نتيجة، ويقوم به الانسان في سبيل تحقيق التسلية والمتعة دون أيّ دافعٍ آخر، وهو استغلال الطاقة الحركيّة للجسم في جلب المتعة النفسيّة، ولا يتمّ اللعب دون وجود طاقةٍ ذهنيّة أيضاً”.

يخلط كثيرون بين الربح والمنافسة، ويعتقدون انه طالما في اللعب منافسة فهناك حكما رابح وخاسر، ولا يعرفون انه في بعض المجتمعات التي تسمّى بدائية، يلعب الناس كفريقين متنافسين لأكثر من ساعة، وبحماسة كلية ومتعة، لكن دون أن يحتسبوا النتيجة، أي انهم لا يعدّون النقاط ليعرفوا من ربح ومن خسر، فهدف اللعب هو التسلية والمتعة، وهم قد حققوا ذلك، فلماذا يكترثون للربح؟

وقد حاول أحد الباحثين اختبار متانة هذه المواقف عند هذه الشعوب، طالبا من بعض الأولاد التنافس في الركض بهدف حصول الأسرع على سلة من الفاكهة، فما كان منهم إلا أن شبكوا بأياديهم وساروا معا باتجاه السلة، رافضين أن يستأثر أحدهم بالفاكهة فيما يُحرم الآخرون.

الربح يقلب المعادلة، ويجعل من المساواة بين المتنافسين تراتبية، ومن المتعة المشتركة خلال اللعب فرحا أو حزنا، ومن المنافسة غايةً بحد ذاتها، وليس وسيلة للمزيد من المتعة.

دخول هدف الربح كدافع اول للعب، كما في جميع المباريات الرياضية وفي مونديال كرة القدم اليوم، لا يعدّل في اللعبة فحسب بل يحوّلها إلى نقضيها، اي إلى الجدّ، مع تدخل عامل المال والمراتب والتعبئة المناطقية أو المذهبية او الوطنية أو القارية، المترافقة مع الحزن والغضب وفي أحيان كثيرة مع العنف.

تسيدت غاية الربح الأولويات في المجتمعات الرأسمالية، مدفوعة بآليات عمل النظام الرأسمالي نفسه، وبأفكار فلسفية ودينية واقتصادية.

مع الربح، لا تعود المتعة عملية متواصلة مرتبطة باللعب نفسه، بل تصبح أسيرة النتيجة، لا بل إن طعمها يتغير، من متعة اللعب مع الآخر الى متعة الانتصار على الآخر، متعة كنتيجة للحياة وليس للحياة نفسها، مع ان الحياة علمتنا الا نعوّل على نتيجتها التي هي الموت، بل إن نعيشها كما هي في لحظاتها.

اخترنا لك