بقلم كوثر شيا
يشكّل ملف النزوح السوري في لبنان أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، خاصة في ظلّ التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني منه البلد. ومع تزايد الضغوط على البنية التحتية والموارد المالية، أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة وضع حلول مستدامة تضمن مصلحة الدولة اللبنانية مع الحفاظ على البعد الإنساني للملف.
اليوم، تعمل الحكومة اللبنانية على بلورة خطة عودة طوعية، استنادًا إلى معطيات دقيقة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي تفيد بأن 24% من النازحين السوريين في لبنان، أي ما يقارب 400 ألف شخص، مستعدون للعودة إلى سوريا، شرط تأمين الظروف المناسبة لهذه العودة.
خطة العودة الطوعية : المعايير وآليات التنفيذ
في خطوة تهدف إلى وضع مسار عملي لإنهاء حالة النزوح المستمرة منذ أكثر من عقد، طلبت الحكومة من المفوضية إعداد خطة تفصيلية تعالج الجوانب التالية:
• تحديد المناطق القادرة على استقبال العائدين: ضرورة إعداد تقرير شامل يوضح أين يمكن لهؤلاء النازحين الاستقرار بأمان، وما هي البنى التحتية المتاحة هناك.
• تقدير الكلفة الإجمالية لعملية النقل: وضع ميزانية دقيقة لتغطية تكاليف نقل النازحين إلى سوريا، بما يشمل التأمين اللوجستي والمعابر الرسمية.
• توفير دعم مالي مؤقت للعائدين: تخصيص مساعدات شهرية لمدة أربعة أو خمسة أشهر بعد العودة، لمساعدتهم في إعادة بناء حياتهم، على أن يتم تمويل هذه المساعدات من الميزانية الحالية المخصصة لخطة الاستجابة لاحتياجات النازحين في لبنان.
• تمويل الخطة: تقدّر الحكومة أن تبلغ ميزانية المرحلة الأولى من خطة العودة حوالى 200 مليون دولار، وهي نفس الأموال التي تُصرف حاليًا ضمن برامج الدعم الإغاثي للنازحين في لبنان.
تحميل الدولة أعباء النزوح في ظل اقتصاد منهار
لبنان لم يعد قادرًا على تحمّل تداعيات النزوح السوري، حيث تجاوزت كلفة استضافة النازحين 20 مليار دولار منذ عام 2011، بينما لم يتلقَ لبنان سوى جزء بسيط من هذه الكلفة عبر المساعدات الدولية. وفي ظلّ الانهيار المالي الذي يواجهه البلد، فإن استمرار الأزمة دون حلول جذرية بات يشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
أبرز الأعباء التي تتحمّلها الدولة بسبب النزوح :
1. الضغط على الخدمات العامة: زيادة الطلب على الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، ما أدى إلى تراجع جودة الخدمات لجميع السكان.
2. المنافسة في سوق العمل: تفاقم نسبة البطالة بين اللبنانيين نتيجة الاعتماد على اليد العاملة السورية الأقل كلفة، خاصة في القطاعات غير المنظمة.
3. العبء الأمني والاجتماعي: انتشار المخيمات العشوائية وارتفاع نسبة الجرائم نتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة داخل هذه المخيمات.
من هنا، تسعى الحكومة الحالية إلى وضع خطة متكاملة تعيد التوازن إلى المجتمع اللبناني، من خلال إعادة تنظيم ملف النزوح بما يراعي المصلحة الوطنية أولًا، دون إغفال الأبعاد الإنسانية.
دعم المجتمع الدولي : اختبار للالتزامات الدولية
رغم وعود المجتمع الدولي بدعم لبنان في إدارة أزمة النزوح، فإن التمويل الفعلي لتنفيذ حلول دائمة لا يزال دون المستوى المطلوب. اليوم، يشكّل تنفيذ خطة العودة الطوعية اختبارًا حقيقيًا لجدية هذه الالتزامات، حيث يُفترض أن تسهم الدول المانحة في:
• توفير التمويل اللازم لنقل النازحين وإعادة إدماجهم في سوريا.
• ضمان تقديم المساعدات الإنسانية داخل الأراضي السورية، لضمان عدم تدهور أوضاع العائدين.
• التعاون مع السلطات اللبنانية لضمان تنفيذ العودة بشكل منظّم وآمن.
في حال لم يتم دعم هذه الجهود، سيكون من الواضح أن بعض الجهات الدولية تستخدم ملف النزوح كوسيلة ضغط سياسي، بدلاً من البحث عن حلول حقيقية ومستدامة.
موقف الحكومة : قرار سيادي لمصلحة لبنان
الحكومة اللبنانية، وفي إطار مسؤولياتها الوطنية، تضع اليوم أسسًا واضحة لإنهاء واحدة من أعقد الأزمات التي واجهها البلد في العقود الأخيرة. هذا القرار لا ينطلق من حسابات سياسية ضيقة، بل من رؤية وطنية تهدف إلى:
• إعادة تنظيم الوضع الديموغرافي في لبنان، بما يضمن استقرار المجتمع.
• التخفيف من الأعباء الاقتصادية التي تعيق التعافي المالي للدولة.
• إعادة توجيه المساعدات الدولية نحو تمكين النازحين من العودة إلى وطنهم بدلاً من إبقائهم في حالة لجوء دائم.
ولذلك، فإن نجاح هذه الخطة يعتمد على وحدة الموقف اللبناني ودعم جميع القوى السياسية والمجتمع المدني لهذا التوجّه، بعيدًا عن أي انقسامات قد تعرقل الحل.
فرصة لإعادة التوازن الوطني
لبنان لم يعد يحتمل إدارة الأزمة بأسلوب التأجيل والمراوغة. اليوم، تضع الحكومة رؤية واضحة لعودة طوعية وآمنة، ترتكز على أرقام واقعية وتمويل قابل للتنفيذ، ما يجعل من هذه الخطوة فرصة حقيقية لحلّ معضلة النزوح بطريقة تحفظ حقوق الجميع.
على المجتمع الدولي تحمّل مسؤولياته، وعلى اللبنانيين التكاتف لدعم هذا القرار السيادي الذي يهدف إلى إعادة التوازن للبلاد. فالأزمة لم تعد قابلة للاستمرار، والخيار الوحيد هو التحرك نحو حلول جذرية وعادلة.