بقلم مكرم رباح
تتعمّق معاناة اللبنانيين يوماً بعد يوم تحت وطأة سلاح “حزب الله” الذي بات يشكّل لعنة مستدامة على الوطن تتفاقم خطورتها في ظل تلكّؤ الدولة اللبنانية، بـ “نسختها الجديدة”، لجهة اتخاذ أي خطوة واضحة أو حاسمة بشأن نزع هذا السلاح الخارج عن الشرعية. إن لبنان، بشعبه ومؤسساته على حد سواء، يتخبط في دوامة لعبة الإسناد الوهمي التي أثبتت للجميع، بمن فيهم شيعة لبنان، أن إيران، وخلافاً لما تدّعيه، لا تكترث لا لفلسطين ولا لدماء العرب واللبنانيين.
رغم وضوح القرار الأممي 1701، الذي وقّعه رئيس مجلس النواب نبيه بري بنفسه ممثلاً لـ “حزب الله”، تستمر الدولة اللبنانية في التلكّؤ بتطبيقه، متجاهلة مسؤولياتها السيادية. وفي هذا السياق، برز مؤخراً موقف رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون خلال زيارته الرسمية إلى فرنسا، حيث طَرَح موقفه هذا تساؤلات لا بد من التوقف عندها.
عقب اجتماعه بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وخلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي تزامن مع ضربة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية رداً على صواريخ “مجهولة” أُطلقت من لبنان، بدا الرئيس عون حريصاً على تحميل إسرائيل كامل المسؤولية، متجاهلاً كلياً ذكر القرار 1701 أو مسؤولية الدولة اللبنانية في تطبيقه. لكن اللافت كان ختامه للمؤتمر بالإشارة إلى اقتراب الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب الأهلية، مؤكداً أن لبنان “يستذكرها ولا يسمح بتكرارها”.
هذا الاستحضار المفاجئ للحرب الأهلية خارج سياق النقاش لم يكن بريئاً، بل شكّل عودة إلى سردية مألوفة ومكرّرة: أن أي محاولة لنزع سلاح “حزب الله” قد تفسَّر على أنها استهداف للطائفة الشيعية، ما سيقود حتماً إلى اقتتال داخلي شبيه بحرب 1975 – 1990. ذريعة باتت تُستخدم لتبرير كل عجز رسمي، لا بل للتغطية على فشل مزمن في معالجة أبسط الأزمات، من الكهرباء إلى الودائع المصرفية.
هذه المعادلة الخطيرة، التي تضع السلاح مقابل الاستقرار، ليست جديدة. فالرئيس الفرنسي نفسه سبق أن لوّح بها، وكذلك رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري حين برّر تعليق عمله السياسي بمحاولة “التعايش” مع سلاح “حزب الله” درءاً للفتنة، وهي محاولة لم تنجح بل أسفرت عن مزيد من العزلة اللبنانية عربياً ودولياً.
والحقيقة أن التذرّع بالحرب الأهلية لم يعد مقنعاً لأحد. فهذه “الحجّة التي لا تقلي عجّة”، كما يُقال، أصبحت غطاءً لانعدام الرؤية، إن لم نقل جبناً سياسياً من طبقة أثبتت فشلها الذريع في الانتقال من عقلية المحاصصة إلى منطق بناء الدولة.
الحرب الأهلية اللبنانية اندلعت، كما هو معروف، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها فشل صيغة 1943 في ضمان المساواة بين مكوّنات المجتمع، وخصوصاً المسلمين. أما اليوم، فإن الخطر لا يكمن في مباراة كرة قدم قد تتطوّر إلى شغب طائفي، بل في سلاح إيراني ثقيل يرهن القرار اللبناني بالكامل، ويهدّد شيعة لبنان أولاً قبل أن يطال سائر المكوّنات.
إن امتناع الطبقة الحاكمة عن مواجهة هذا الواقع لا يُجَنّب البلاد خطر الحرب، بل يجعل منها ساحة مفتوحة لحروب الآخرين، ويضاعف من ثمنها دماً ودماراً.
كان معلمي الراحل المؤرخ اللبناني الكبير كمال صليبي يرى أن الحرب الأهلية كانت نزاعاً على تاريخ لبنان وعلى إصرار كل جماعة على فرض رؤيتها وسرديتها التاريخية على الآخر، أما الحرب القادمة، التي يبدو أنها تستعر بصمت، فهي نزاع على مستقبل لبنان، إن وُجد. إنها حقيقة يجدر بالرئيس عون، وسائر الطامحين إلى المناصب، إدراكها قبل فوات الأوان.