تساؤلات حانقة حول يمين مسيحي مستحدث

بقلم غسان صليبي

فيما يفتّش يساريون ب”السراج والفتيلة” عمّا تبقّى من “اليسار” في لبنان، ومعظم ما يكتبوه هو حول كيفيّة “إحياء اليسار”، إذا بنا نقرأ بكل ذهول بيانا تأسيسيا ل”يمين مسيحي” تحت مسمّى “المحافظون الجدد-لبنان” يحذّر “من خطر سقوط المجتمع المسيحي رهينة بيد اليسار العالمي بتسمياته العديدة وأشكاله المختلفة التي ظهرت مؤخراً على الساحة السياسية في لبنان، في محاولة لمصادرة القرار السياسي للمسيحيين والقضاء على تاريخهم ووجدانهم وهويتهم.” وللذين لا يعرفون، “المحافظون الجدد” هم جناح متشدد في التيار اليميني الاميركي الداعم لترامب.

تقاطَعَ هذا التحذير مع الحملة التي تشنّها بعض وسائل الإعلام وبعض الاطراف السياسيّة المسيحيّة، على جمعيّة “كلنا إرادة” وبعض المنصّات الإعلاميّة، مثل “ميغافون” و”درج”. وتطال هذه الحملة بشكل غير مباشر الرئيس نواف سلام على إفتراض ان “كلنا إرادة” تشكّل حاضنته السياسيّة، كما تطال أيضًا الوزيرين المسيحيين، طارق متري وغسان سلامه. النقمة على الجمعيّة والمنصّات والشخصيات، هو بحجة نزعتها “اليساريّة” المموّلة من جهات دوليّة. اما أهداف هذه “النزعة اليساريّة” كما جاء في دعوى قضائيّة ضد “درج” و”ميغافون”، فهي: “النيل من مكانة الدولة المالية، زعزعة الثقة بمتانة النقد الوطني، التحريض على سحب الأموال، النيل من هيبة الدولة، الاشتراك بمؤامرة، إضعاف الشعور القومي، تمويل حملات لضرب الثقة بالاقتصاد اللبناني.”

يبدو أن تضخيم التهم الذي ترافق مع تضخيم تأثير “اليسار العالمي” في البيئة المسيحيّة- والتضخيم الثاني هو من أجل تبرير التضخيم الأول- إنما يهدف الى شيطنة بعض التدابير الإصلاحيّة في المجال الاقتصادي-المالي-النقدي، لأنها تطال مصالح شبكة مصرفيّة-سياسيّة، وهي تدابير يطمح الى اتخاذها الرئيس سلام وتدعمها “كلنا ارادة” والمنصتان الاعلاميتان الملاحقتان قضائياً. والذي يدقّق بما يُعرف عن بعض هذه التدابير، من مثل التدقيق الجنائي ومحاسبة المسؤولين عن الانهيار المالي، رفع السرية المصرفية، تحميل المصارف جزءًا من المسؤوليّة في إعادة أموال المودعين، والحفاظ قدر الإمكان على أصول الدولة، لا يَفهم أبدًا كيف يمكن لهذه التدابير وغيرها ان تبرر الاتهامات اعلاه المساقة قضائياً.

يقدّم هذا النص معطيات ويطرح تساؤلات حول هذا “الفكر اليميني” المستحدث، لعلّها تزعزع مسلّمات متداولة وتساهم في اضعاف تأثير هذا الفكر في الوسط المسيحي. على أمل الا يكون هذا الفكر متغلغل بشكل واسع داخل الأحزاب المسيحية الأكثر تمثيلا.

اولاً: صحيح ان الشارع المسيحي وخاصة الماروني متوجس تاريخياً من الاتجاهات الشيوعية واليسارية بشكل عام، بسبب سعيها لتغيير النظام السياسي والاقتصادي. وصحيح أيضا ان الحزب الشيوعي حارب الى جانب الحركة الوطنية والفلسطينيين ضد القوى المسيحية، وها هو اليوم يبرر احيانا ويساير دائماً مواقف وسياسات حزب الله، التي اصبحت مرفوضة من معظم المسيحيين. لكن تأثير الحزب الشيوعي في لبنان وتأثير الشيوعية العالمية في العالم، أصبح في خبر كان.

ثانياً: إنتفاضة ١٧ تشرين، بما شكلت من حراك شعبي واسع ومعارض، حملت ابعادا اصلاحية سياسية واقتصادية واجتماعية وقيمية، وقد شهدت مشاركة واسعة من مواطني البيئات المسيحية المختلفة. ان هذه الانتفاضة كانت الظرف المجتمعي التاريخي لقيام تيار اصلاحي لبناني اكثر ارتباطا ببنى لبنان الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأكثر تعبيرا عن توجهات شعبه من التيارات اليسارية.

ولأنه لا يمكن تحديد التوجهات الإصلاحية بمعزل عن توجهات اليمين، ساعدت الانتفاضة من خلال الممارسة على تحديد هوية اليمين في الظرف الحالي، وهي ما عُرِف ب”كلن يعني كلن”، اي ما تمثله المنظومة الحاكمة مجتمعة على المستوى الاقتصادي والسياسي والقيمي. وللمفارقة أن حزبين مسيحيين معتَبَرَين من بين “كلن يعني كلن”، وهما القوات والكتائب، انخرطا في الانتفاضة. والسؤال هو كيف يتموضع “يمين مسيحي” مستحدث في هذا السياق التاريخي، وما هي خصائصه بسبب ذلك؟

ثالثاً: بالتوازي مع الانتفاضة وكخصم اوّل لها، شكل “حزب الله” السلطة الفعلية في البلاد قبل الحرب الإخيرة، والتي كان من المفترض كسلطة فعلية، ان يتمحور من حولها يمين ويسار. وللمفارقة هنا أيضا، كانت الأحزاب المسيحية، بإستثناء التيار الوطني الحر، على يسار “حزب الله”، فيما وقف الحزب الشيوعي على يمينه.

رابعاً: تنوعت وتطورت الاتجاهات اليسارية تاريخياً، بين الشيوعية والاشتراكية في بداياتها والديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الاجتماعية في الوقت الحالي، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والانكفاء الكبير للاحزاب الشيوعية والاشتراكية في العالم. وفي البلدان التي تحالفت فيها أحزاب المسيحية – الديمقراطية مع احزاب الاشتركية – الاجتماعية تقلّصت الفروقات بين اليمين واليسار على المستوى الاقتصادي – الاجتماعي واعطت مكانها لسياسات “ديموقراطية اجتماعية”، تحرص على العدالة الإجتماعية في إطار نظام ديمقراطي. التجربة الشهابية هي الأقرب في لبنان لنموذج “الديمقراطية الاجتماعية”. أين هو هذا “اليمين المسيحي” المستحدث من هذه التجربة الإصلاحية الرائدة للمارونية السياسية اليمينية، والتي يرغب الكثير من اللبنانيين ان يتمثّل بها العهد الجديد، الذي أكد “المحافظون الجدد- لبنان” دعمهم له؟

خامساً: أصبحت ظاهرة عالميّة منذ زمن بعيد، ان يتبرّع “الرأسمال العالمي” بــ “فتات” من أرباحه لدعم مؤسّسات دوليّة (منظّمة العمل الدوليّة، منظمة الصحّة العالميّة، البنك الدولي وغيرها) وجمعيات مدنية عالميّة أو محليّة، وذلك بهدف مساعدتها على تقديم الدعم في مجالات ما يُعرف بــ “التنمية الإجتماعيّة” و “العمل اللائق” و “العدالة الإجتماعيّة” و”القضاء على الفقر” و”حقوق المرأة” و “الحماية الإجتماعيّة” و” الرعاية الصحيّة”، بالإضاقة الى “حقوق الإنسان” و “الديمقراطيّة والمساواة والسلام”، الخ… هذا “الفتات” المالي يحاول ان يقدّم حلولاً اصلاحية لبعض النتائج الإجتماعيّة الكارثيّة للسياسات الرأسماليّة النيوليبراليّة التي عمّت العالم، وذلك بعيدًا عن التوجّهات الثورية- الشيوعية والمعالجات الجذرية التي قد تطال أسس النظام الرأسمالي.

فهل يرغب “اليمين المسيحي” المستحدث، كما ترامب، بقطع الإمدادات الماليّة عن الجمعيات المحلية الاصلاحية، التي تدافع عن حد أدنى من الضمانات الإجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة، للجماعات التي همّشتها السياسات الرأسماليّة؟

سابعًا: في بيانهم التأسيسي، أعلن “المحافظون الجدد- لبنان” عن “تأسيس منصّة سياسيّة لقوى اليمين في لبنان” تهدف من بين ما تهدف اليه، الى “المحافظة على المنظومة القيميّة للحضارة المسيحيّة”.

انه إختصار وقح “للحضارة المسيحيّة” “بالفكر اليميني”، وتحديدًا بالفكر “اليميني الترامبي”، مع ان اليمين واليسار هما معاً من نتاج الحضارة المسيحية.

اين الكنائس اللبنانيّة من التناقض الجذري بين مسيحيّة ترامب الصهيونية والطبقية والعنصرية، ومسيحيّة البابا فرنسيس المناقضة لها تماماً بحسب تصريحات البابا والأفكار الإجتماعيّة للفاتيكان؟

لماذا يعود “اليمين المسيحي” المستحدث الى زمن القرون الوسطى عن طريق “دعم التربية والتعليم التابع للمؤسسات الكنسية من خلال الصناديق العامة وصولاً حتى مجانيته فيكون بديلاً مقبولاً عن التعليم الرسمي” بعد ان اختار “اليمين البورجوازي العالمي” العلمانية، عن طريق دعم المدارس الرسمية؟

كيف يوفِّق “المحافظون الجدد – لبنان” بين مطالبتهم بالنظام الفدرالي الذي أساسه الحياد، كما يقولون، وتبعيتهم للسياسة الأميركيّة الترامبية؟ ألن يؤدي ذلك الى التقسيم وليس الى الفدرالية، وبالتالي الى نزاعات دائمة مع المحيط المسلم، في ظل الهيمنة الاميركية-الإسرائيلية؟ وهل هذا يضمن بقاء حضارة مسيحية في المشرق العربي؟

اخترنا لك