بين الحجاب وقوانين العمل… لماذا نقبل في الخارج ما نرفضه في بلدنا؟

بقلم كوثر شيا

كلما طُرِح موضوع الحجاب أو الرموز الدينية في المؤسسات العامة بلبنان، يتحوّل إلى نقاش حساس ينقسم فيه الناس بين مؤيد ومعارض. لكن السؤال الأهم: لماذا نحترم القوانين الوظيفية في الخارج، بينما نرفضها في بلدنا؟

الحياد الوظيفي: مبدأ عالمي وليس استهدافًا شخصيًا

في معظم دول العالم، المؤسسات الرسمية – خاصة الإعلام الحكومي – تعتمد قواعد لباس محايدة تمنع إظهار أي رموز دينية أو طائفية، سواء كانت الحجاب، الصليب، نجمة داوود، التاتوهات الدينية، أو غيرها. الهدف ليس الحدّ من الحريات الشخصية، بل ضمان تمثيل الجميع بمساواة دون أن يطغى أي انتماء خاص على الصورة العامة للمؤسسة.

حتى في لبنان، هناك طوائف تحترم هذه القواعد من داخلها. في الطائفة الدرزية، الشيخة لا تظهر على الشاشات الإعلامية، احتراما لتقاليدها الدينية، دون أن يكون ذلك موضع جدل أو اتهام بالإقصاء. وبالمقابل، هناك قنوات دينية خاصة يمكن للمنتسبين إليها أن يعبروا عن هويتهم الدينية بكل حرية، لأنها قنوات تعكس توجهًا واضحًا، وليس مؤسسة عامة تمثل الجميع.

الأمر لا يتعلق فقط بالحجاب، بل يشمل أيضًا القلادات التي تحمل رموزًا دينية، أو حتى التاتوهات. في بعض المحطات العالمية، يُطلب من المراسلين والصحافيين إخفاء أي وشم ديني أو سياسي، وإزالة أي إكسسوار قد يحمل دلالة دينية، لضمان الحياد المهني.

ازدواجية الالتزام بالقوانين: لماذا نطبقها في الخارج ونرفضها هنا؟

الكثير من اللبنانيين يسافرون للعمل في دول أخرى، ويلتزمون بقوانينها دون اعتراض. في فرنسا، يُمنع الموظفون الحكوميون من ارتداء الرموز الدينية في أماكن العمل، وفي بريطانيا، هناك مؤسسات إعلامية تفرض زيا رسميًا محددًا. حتى في بعض الدول العربية، يتم فرض معايير لباس خاصة ببعض الوظائف الحكومية دون أن يكون ذلك محل اعتراض.

لكن في لبنان، عندما يتم تطبيق قاعدة مشابهة، يبدأ الجدل، وكأن القانون موجّه ضد فئة معينة، في حين أن المطلوب ببساطة هو الحياد في المؤسسات الرسمية.

الإعلام الرسمي: وظيفة لها شروطها

قضية المراسلة زينب ياسين، التي استقالت من “تلفزيون لبنان” بعد منعها من الظهور بالحجاب، فتحت نقاشًا أوسع حول المهنية والحياد في الإعلام الرسمي. الحجاب ليس المشكلة، تمامًا كما أن إخفاء الصليب أو أي رمز ديني آخر ليس المشكلة.

المسألة تتعلق بمبدأ عام: لكل وظيفة متطلباتها، ومن يريد أن يشغل منصبًا معينًا عليه الالتزام بشروطه. الإعلام الرسمي، كأي مؤسسة حكومية، يجب أن يبقى بعيدًا عن الرموز الشخصية ليعكس صورة جامعة لجميع اللبنانيين، تمامًا كما هو الحال في معظم دول العالم.

هل يكون وزير الإعلام الجديد بول مرقص عنوانًا للتغيير؟

مع تعيين الوزير بول مرقص، هناك فرصة لإعادة تنظيم الإعلام الرسمي وفق معايير مهنية واضحة، بعيدًا عن التجاذبات الطائفية والسياسية. مرقص، المعروف بتمسكه بمبدأ الحياد، أمام اختبار حقيقي: هل سيتمكن من فرض معايير مهنية موحّدة، حيث يكون الجميع سواسية أمام القانون، أم سيبقى الإعلام الرسمي خاضعًا للضغوط؟

متى نحترم قوانين بلدنا كما نحترم قوانين الآخرين؟

لا يمكننا بناء دولة حديثة إذا استمررنا في رؤية القوانين من منظور طائفي. كما نحترم قوانين الخارج، علينا أن نحترم قوانين بلدنا. لا أحد يُجبر على العمل في مؤسسة تتطلب الحياد، لكن من يختار الانضمام إليها عليه أن يلتزم بقواعدها.

الاحترام ليس فرضًا، بل مسؤولية، وهو أول خطوة نحو بناء دولة عادلة للجميع.

اخترنا لك