لبنان… العواقب وخيمة على من يعترض عمل المحققين الدوليين

‌بقلم طارق أبو زينب – إعلامي متابع للشأن الخليجي والعربي

يُشكّل الفساد عائقًا أمام تقدّم لبنان ونهوضه إذ إنّه يُسبّب الفقر وينتهك حقوق المواطن والقيَم الأخلاقية والعدالة ويُقوّض الشفافية والمحاسبة ويعوّق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة والإستقرار، ويُعرّض سيادة القانون للخطر، ويُعتبر إحدى أدوات الجريمة المنظَّمة.

ولمكافحة الفساد يجب أولاً كشفه وإثبات حصوله وتوفير أدلَّة تُمكّن من إلقاء القبض على الفاسدين والتحقيق معهم ومُعاقبتهم.

قيادات لنهب المال العام

يمّر لبنان بأزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة جرّاء فشل العهد الرئاسي السابق وتصرفات بعض الطبقة السياسية التي تحكم البلاد، بدأ الإنهيار منذ عام 2005 عقب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبعض قادة قوى 14 آذار، وبدأ انسحاب القوات السورية من لبنان والتي استبدلت لاحقًا بالهيمنة الإيرانية، حينها تشكّلت قيادات لنهب المال العام، إستغلّت الدولة اللبنانية لتكون مطيّة لتوزيع المحسوبيات والسمسرات التي يعرفها الجميع يتمّ توزيعها بين قوى السلطة بالشراكة مع بعض رجال أعمال أثرياء. وبحسب تقرير للبنك الدولي، فإن كلفة المحاصصة السياسية تتراوح ما بين 4 و5 مليارات دولار .

وفي دراسة كل قطاع منفردًا، يتبيّن أنّ مؤسسة كهرباء لبنان وبعد 30 سنة على انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية لا تزال عاجزة عن تأمين الكهرباء، وقد كلّفت الدولة خلال ثلاثة عقود 36 مليار دولار (%45 من إجمالي الدين).

وهذا غيض من فيض، قد لا يتسّع المجال لطرق كل أبواب الفساد الذي بات ميدانا لتسابق بعض السياسيين اللبنانيين.

إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة “اتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد” في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2003، بالقرار 58/4 ودخلت حيّز التنفيذ في 14 كانون الأول/ديسمبر 2005، وقد انضمت إليها حتى تاريخه 186 دولةً ومن ضمنها 20 دولة عربيّة بما فيها لبنان الذي انضم في 22 نيسان/أبريل 2009.

و”إتفاقيّة الأمم المتّحدة لمكافحة الفساد” هي الصك العالمي الوحيد الملزم قانونيًا لمكافحة الفساد. إن نهج الاتفاقية البعيد المدى والطابع الإلزامي للعديد من أحكامها يجعلان منها أداة فريدة لوضع استجابة شاملة لمشكلة عالمية، وتغطي الاتفاقية خمسة مجالات رئيسية على الشكل الآتي: التدابير الوقائية، التجريم وإنفاذ القانون، التعاون الدولي، استرداد الموجودات، والمساعدة التقنية وتبادل المعلومات، كما تغطي الاتفاقية العديد من أشكال الفساد المختلفة، مثل الرشوة، المتاجرة بالنفوذ، إساءة استغلال الوظائف، ومختلف أفعال الفساد في القطاع الخاص، ومن أبرز ما يميّز الاتفاقية إدراج فصل خاص بشأن استرداد الموجودات، بهدف إعادة الموجودات إلى أصحابها الشرعيين، بما في ذلك البلدان التي أخذت منها بطريقة غير مشروعة. والغالبية العظمى من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أطراف في هذه الاتفاقية.

جدل واسع في لبنان

المشهد الأبرز هو ذلك الجدل الكبير في لبنان بشأن زيارة محققين أوروبيين للبنان للتحقيق في ملفات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وغيره واعتراضات من بوابة السيادة والتدخّل في عمل القضاء اللبناني، لكن لبنان من موقِّعي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهو ملزم بالتعاون قضائيًا في ما خصّ الجرائم المالية، سواء خارج البلاد أو داخلها، التي قد تؤثر على دول أخرى، وإلا يعتبر خارج نظام المعاهدات والنظام المالي المصرفي نفسه، والعواقب تكون بهذه الحالة وخيمة على النظامين المالي والقضائي.

إلى ذلك تبلّغت النيابة العامة التمييزية عبر كتاب رسمي من فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ بزيارة وفدٍ من المحققين الممثلين لهذه الدول لبيروت بين 9 و20 يناير/كانون الثاني، وذلك في إطار التحقيقات المالية بحق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وشقيقه رجا، ومزاعم التورط بقضايا غسل أموال واحتيال وفساد ونوابه وكبار الماليين والمصرفيين في بنوك تجارية، ومعرفة كيفية سير النظام المصرفي في لبنان.

التحقيقات ستطال شخصيات لبنانية وسورية

في هذا الصدد صرح مصدر أوروبي دبلوماسي لـ جسور : قائلا”: هناك جدل من قِبل بعض السياسيين اللبنانيين وغيرهم بشأن زيارة الوفد الأوروبي للعاصمة بيروت، واعتراضات من بوابة السيادة والتدخل في عمل القضاء اللبناني وقد تبدأ بما يتعلق بمصرف لبنان والسياسات النقدية والقطاع المالي، لكن لبنان من موقِّعي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهو ملزم بالتعاون قضائيًا في ما خصّ الجرائم المالية، سواء خارج البلاد أو داخلها، التي قد تؤثر على دول أخرى، وإلا يعتبر خارج نظام المعاهدات والنظام المالي المصرفي نفسه، وبالتالي أي عرقلة لعمل المحققين الدوليين من أي جهه كانت ستكون عواقبها وخيمة على النظامين المالي والقضائي، والتحقيق قابل للتوسّع ليشمل قطاعات مختلفة وجرائم عديدة أبرزها إنفجار مرفأ بيروت وخصوصًا عندما دعا خبراء أمميون مستقلون مجلس حقوق الإنسان إلى الشروع بتحقيق دولي في الإنفجار الهائل الذي هز مرفأ بيروت وتدمير مناطق واسعة في العاصمة اللبنانية، وبحوزة فريق التحقيق الدولي أسماء أكثر من 50 شخصية لبنانية وستطال التحقيقات رجال أعمال سوريين مقيمين في لبنان مقربين من شخصيات لبنانية بتهمة قضايا تبيض أموال واختلاس المال العام .

وأضاف المصدر الدبلوماسي الأوروبي “لـ جسور”: هناك أصول بكل الأحوال يمكن اتباعها في إجراء التحقيقات تضمن السيادة اللبنانية، إذ يمكن لمدعي عام التمييز اللبناني أن يتخذ قرارًا بأن تُجرى بوجود قاضٍ لبناني منتدب يدير هذه التحقيقات وجلسات الاستجواب، مشددة على أن التحقيق الأوروبي ضرورة، وخصوصًا في ظل العرقلة الحاصلة لبنانيًا، ومن شأنه أن يأتي بمعطيات جدية وأسباب جوهرية تتصل بالأزمة وقد يرشح عنها دلائل مهمة حول الجرائم المالية التي ارتكبت والضالعين فيها، لنكون بالتالي على طريق المحاسبة الصحيح.

وفي مارس/آذار جمّدت فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية في إطار تحقيقات حول رياض سلامة في قضايا تبيض أموال واختلاس في لبنان. ورغم الشكوى والاستدعاءات والتحقيقات ومنع السفر الصادر بحقّه في لبنان، لا يزال سلامة في منصبه الذي يشغله منذ عام 1993 ومن المفترض أن تنتهي ولايته في مايو/أيار 2023.

اخترنا لك