أيّة أولوية للحركة النقابيّة والعمّاليّة في زمن الانهيار المالي والسياسي ؟

الى بشارة الاسمر وكاسترو عبدالله ونعمة محفوض وعارف ياسين ومحمود حيدر

بقلم غسان صليبي

أكتب هذا النصّ على أثر انعقاد إجتماع نقابي، في 5/1/2023 في نقابة الصيادلة في بيروت، بدعوة من المهن الحرّة والاتّحاد العمّالي العام وروابط التعليم ونقابة المعلّمين، تم البحث فيه في “الخطوات المقبلة والعاجلة من أجل الضغط لإنتخاب رئيس للجمهوريّة وإعادة إحياء المؤسسات الدستوريّة”.

حضر الإجتماع كما جاء في الصحف، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي، رئيس الاتّحاد العمّالي العام، نقيب الأطباء، نقيب أطباء الأسنان في الشمال، نقيب المعلّمين في المدارس الخاصّة، رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانيّة، نقيب الصيادلة، نقيب أطباء الشمال، نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة، نائب رئيس الاتّحاد العمّالي العام، نقابة مهندسي الشمال، نقابة مختبرات طب الأسنان، منسقيّة المهن الحرّة في تيار “المستقبل”، وعدد من الشخصيات النقابيّة والاجتماعيّة.

في 11 أيلول 2022، نَشَرْتُ مقالاً في “النهار” بعنوان “عقم الإضرابات القطاعيّة المتفرّقة وتحدّيات التحرّك الموحّد”. مناسبة المقال كان انعقاد “المؤتمر النقابي الوطني” في نقابة المهندسين في 8 آب 2022، بدعوة من رابطة موظّفي الإدارة العامة. شاركت في المؤتمر، كما جاء في الصحف أيضا، اتّحادات ونقابات عمّاليّة وتجمّعات وتيّارات وروابط نقابيّة وتربويّة واجتماعيّة، والمجلس التنسيقي لروابط المتقاعدين، والاتّحاد الدولي للنقابات ومنظّمة العمل الدوليّة. ركّز المؤتمر على المطالب المعيشيّة والاجتماعيّة وعلى حق التنظيم لموظفي القطاع العام دون ان يغفل انتقاد “السلطة الحاكمة التي أوصلت البلاد الى ما وصلنا اليه”.

يستدعي الحدثان العامّان المتعاقبان، العمّاليان والنقابيان، ملاحظات، أتوخّى منها الدفع في اتجاه تطوير التوجّهات التي انطلقا منها، وحثّ المعنيين على استكمال ما بدأوه موحّدين او بالتنسيق، وبطريقة أكثر فاعليّة :

1. بين الحدث الأول والثاني نحو الخمسة أشهر. مع الإشارة الى أنّه في الحدث الأول “توافق المجتمعون على اعتبار المؤتمر، مؤتمرًا دائمًا ومستمرًّا ومفتوحًا أمام كل القوى النقابيّة والاجتماعيّة واتفقوا على عقد اجتماع موسّع لكل المشاركين فيه، في وقت يُتَّفَق عليه قريبًا”. للاسف، لم ينعقد هذا الاجتماع الموعود.

2. في اللقاءين ترسّخ اقتناع بضرورة التنسيق بين مختلف القوى النقابيّة والاجتماعيّة وتجاوز التحرّكات القطاعيّة العقيمة، نحو تحرّكات جامعة بمطالب موحّدة عامّة.

3. مطالب اللقاء الأول، ركّزت على الشأن المعيشي، فيما ركز اللقاء الثاني على المطلب السياسي بضرورة الإسراع في انتخاب رئيس للجمهوريّة “كمدخل إلزامي لإعادة انتظام الحياة الدستوريّة ومعبر حتمي لأي خطّة إنقاذيّة”.

في اللقاء الأول جرى انتقاد السلطة، لكنّه لم تتم المطالبة بتأليف الحكومة العالق تأليفها في حينه، وكأنّ المشاركين لم يشاؤوا الدخول في الخلافات السياسيّة حول الموضوع. في اللقاء الثاني جرت المطالبة بانتخاب رئيس، لكن دون توضيح المشكلة في هذا الانتخاب وكيفيّة المعالجة، وأيضًا كأنّ المشاركين لم يشاؤوا الدخول في الخلافات السياسية حول الموضوع. في اللقاءين عجز سياسي عن تحديد المطلب السياسي او توضيحه، مما ينعكس حكمًا على كيفيّة تحقيق المطالب، للعلاقة الوثيقة بين المطالب والوسائل.

4. هل يمكن التوفيق بين المطلب المعيشي في اللقاء الأول والمطلب السياسي في اللقاء الثاني؟ لا شيء يمنع ذلك طالما ان اللقاءين يحمّلان السلطة نفسها مسؤوليّة الانهيار المالي والسياسي. لكن المسألة تحتاج بالطبع الى اعتماد استراتيجيّة أولويات توفّق بين الشأنين. وفي إطار معالجة الشأن الاقتصادي والمعيشي، لفتني حضور رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي لللقاء الثاني. حضوره مستغرب من حيث موقعه، إلاّ إذا شاء ان يكون له موقف شخصي مما يجري. لكن حضوره يذكّر الجميع بأهميّة الحوار الاجتماعي الثلاثي في أزمة في حجم الأزمة التي يمر بها لبنان وشعبه.

فبدل أن يتحوّل المجلس الاقتصادي الاجتماعي الى منتدى ينظّم الندوات، كما هو حاصل اليوم، يمكنه ان يلعب دورًا فعليًّا في طرح القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة على طاولة مفاوضات بين الدولة والعمّال وأصحاب العمل مع مشاركة لجمعيات اجتماعيّة يمثّلها المجلس المذكور، وربما بإضافة جمعيات أخرى معنية بالقضايا المطروحة. القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة والماليّة مترابطة الى حد بعيد، في هذه الأزمة، ولا يمكن معالجتها إلاّ بحوار اجتماعي يقدّم مقترحاته الى السلطات المعنيّة متى أُعيدَت اليها الحياة.

5. نوعيّة المشاركة في اللقاءين مختلفة. في اللقاء الأول غلبة لجمعيات وروابط مع حضور نقابي ضعيف، فيما كان هناك حضور نقابي واسع في اللقاء الثاني.
اللافت في اللقاءين :

• حضور نقابة المهندسين في اللقاء الأول وفي ضيافتها، وغيابها في اللقاء الثاني.

• غياب نقابة المحامين في اللقاءين.

• حضور رابطة موظفي القطاع العام واتخاذها دور المبادر في اللقاء الأول، وغيابها في اللقاء الثاني.

• حضور ممثّل من “تيار المستقبل” في اللقاء الثاني، ولا أعرف إذا كانت الدعوة وُجّهَت الى المكاتب العمّاليّة في الأحزاب ولبّى “تيار المستقبل” وحده الدعوة.
• حضور نقيب المستشفيات اللقاء الثاني من خارج النقابات العمالية والنقابات الحرة.

• حضور منظّمة نقابيّة دوليّة ومنظّمة العمل الدوليّة لللقاء الأول وغيابها في اللقاء الثاني. ولا أعرف أيضًا، إذا كانت دُعِيَت الى الّلقاء الثاني أم لا. لكن ما أعرفه ان علاقة هاتين المنظمتين بالاتّحاد العمّالي العام غير مستقرّة وهما تنتقدانه لضعف استقلاليته تجاه أحزاب السلطة. وتنسّقان أكثر مع الاتّحاد الوطني للنقابات الذي سبق وانسحب من الاتّحاد العام.

• حضور النقابات العمّاليّة الى جانب نقابات المهن الحرة في اللقاءين الأول والثاني.

• الحضور في اللقاء الأول يغلب عليه الاتجاه “اليساري” عند أفراده.

أعتقد وربما كنت مخطئًا، ان قيادات اللقاء الأول لم يحاولوا توسيع اتّصالاتهم، رغم وعدهم بذلك واعتبارهم مؤتمرهم مفتوحا على جميع القوى المتضرِّرة من الأزمة. كما أعتقد، وقد أكون مخطئًا أيضا، ان الداعين الى اللقاء الثاني لم يحاولوا جذب قيادات اللقاء الأول. لكن ما لا أعتقده بل أؤكّده، هو ان مواجهة الأزمة، في وجهيها المعيشي – الاقتصادي والسياسي، تتطلّب تنسيقًا وثيقًا بين كل القوى المتضرّرة، وهذا ما يمكن ملاحظته دون التباس في نوعيّة المشاركين في الاجتماعين، ولو بدرجات متفاوتة. والقيام بهذا التنسيق هو من أول واجبات قيادات اللقاءين، ولا سيما الذين توجهت اليهم بالاسم في نصي هذا. ففي هذا القعر الذي نتخبط فيه، لا توجد حجج لا يسارية ولا يمينية ولا مذهبية مقنعة، يمكنهـا ان تبرر بقاء الدولة بدون رئيس جمهورية وحكومة كاملة الصلاحيات والاعتقاد بإمكان تحقيق المطالب، كما لا يوجد حجج لعدم العمل معا لبناء شبكة للحماية الاجتماعية، تضمن الحد الادنى للبقاء على قيد الحياة لمعظم الشعب اللبناني، ومهما كانت خطة التعافي، وكشرط لها، فقد يطول اقرارها مما لا يحتمل الانتظار.

كما انه لا حجج تمنع المنظمات الدولية النقابية ومنظمة العمل الدولية، من التضامن ومد العون الفعلية، لأي تحركات موحدة يُتفق عليها، او يجري التنسيق في شأنها. فالأزمة التي يعاني منها لبنان، ببعدها الاقتصادي والسياسي، المحلي والدولي والاقليمي، لا تسمح للقوى النقابية والعمالية بالمواجهة بقواها الذاتية، التي هي في الاصل ضعيفة لا بل متهالكة. ودور هذه المنظمات الدولية هو ضروري وفاعل بالتأكيد، في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي وفي إعداد واقرار شبكة للحماية الاجتماعية.

6. الملاحظة الأخيرة هي الأهم، لأنها تريد ان تجيب عن السؤال الذي لم تنجح الانتفاضة في الإجابة عنه، لا هي ولا معظم التحرّكات التي واكبتها أو لحقتها، من مجموعاتها أو من النقابات والجمعيات. السؤال هو الآتي: كيف نضغط لتحقيق المطالب، أي لإجبار السلطة على استجابة هذه المطالب؟

اللقاء الأول تكلّم عن “وضع خطّة متابعة بكل الوسائل المتاحة”، واللقاء الثاني أكّد أن “كل الخطوات والتحرّكات التي كفلها الدستور ستكون متاحة في حال التقاعس”. خطّة اللقاء الأول لم تبصر النور، واللقاء الثاني يستعد للتحرّك في “حال التقاعس”، مع ان التقاعس بلغ اليوم أقصاه. اللقاء الثاني سمّى بيانه “البيان رقم 1″، وهي لغة تستخدمها عادة الجيوش وقوى الأمن لتأكيد استعدادها للحسم. فكيف السبيل الى الحسم في واقع لبنان، حيث الجيش والقوى الأمنيّة، في عجز عن إطلاق “بيان رقم 1″؟

جاء في “البيان رقم 1” ان القوى المجتمعة “لن تقبل ان يموت شعبنا من دون ان تحرّك ساكنًا”. في الواقع لقد قاموا بتحريك “الساكن” بعد سكون طويل، فهل الاقتراب من حافة الموت يستنهض الهمم ويجعل جميع المتضررين مستعدين للمواجهة؟ لكن المواجهة لا تتطلّب خططًا واقعيّة فحسب، بل شجاعة ومواجهة القمع العسكري والقضائي والمهني المحتمل، كما يحصل في السودان وفي إيران. وهنا لبّ المشكلة.

اخترنا لك