فؤاد سلامة… هل ثمة أمل بالخلاص في لبنان ؟

بقلم د. فؤاد سلامة

سؤالان يطرحهما المتابعون للشأن اللبناني وفي الأوساط التغييرية في لبنان وخارجه:

 

١- من أين يأتي خلاص اللبنانيين : من تطبيق الدستور اللبناني الذي لم يُطبق بشكل جيد، أم من تعديل الدستور لأن الدستور الحالي سيء أو غير قابل للتطبيق؟

 

٢- ما هي أدوات التغيير والنهوض في لبنان : الأحزاب الجديدة الوطنية و اللاطائفية أم شيء آخر، ولماذا حتى اليوم لم تتشكل أحزاب وطنية ديمقراطية كبيرة عابرة للمناطق والطوائف؟

 

قراءة الكتابات الكثيرة حول سبل التغيير والإنقاذ في لبنان لا تروي غليل المتعطش للمعرفة ولا تقنع عدداً كبيراً من المهتمين والمتابعين.

برأي البعض أن أزمة لبنان هي أزمة سياسية لا اقتصادية وأن الحل هو بتطبيق الدستور أولاً، ومن ثم يجري تعديل الدستور وفق آليات التعديل الدستورية، ولكن هؤلاء لا يشرحون لنا لماذا لم يطبق الدستور في لبنان. هل يكفي القول بإن الدستور لم يطبق لأن المسؤولين عن تطبيقه أي الحكام والنواب والوزراء والرؤساء لا مصلحة لهم في تطبيقه وهم طغمة من المنتفعين والفاسدين والأشرار والمرتهنين للخارج؟

يعتقد أولئك بأنه يجب الإطاحة بالحكام الفاسدين أو إزاحتهم بالتفاوض معهم والضغط عليهم، ومن ثم العمل لإيصال نخب سياسية جديدة عبر قانون انتخاب جيد يسمح بإيصال تلك النخب، أو من خلال حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية تُسرِّع موضوع الإصلاحات وتتجاوز عرقلة مجلس النواب وزعماء الطوائف.

 

في الشق الثاني من السؤال حول أدوات التغيير، هل هي أحزاب وطنية حديثة وديمقراطية أم أدوات أخرى تفي بالمهمة، ثمة أغلبية ترى أن التغيير يلزمه أحزاب تغييرية وتحالفات سياسية تضغط من أجل التغيير عبر انتخابات وقانون انتخابي جديد، وهذا هو الطريق السلمي والتدريجي للتغيير. ولكن لا أحد يوضح لنا الأسباب التي حالت وما زالت تحول دون قيام أحزاب وطنية ديمقراطية حديثة وكبيرة رغم اقتناع الكثير من اللبنانيين بأهمية ذلك.

وهناك مقولة أخرى يقول أصحابها بأن هذا الطريق لم يعد مناسباً في وضع خطير وكارثي كوضع لبنان ولا إمكانية لتحسين الأوضاع إلا عبر حكومة انتقالية استثنائية يتم فرضها على الطغمة الحاكمة بالضغط في الشارع أو بالمزج بين التفاوض والضغط في الشارع وفي كل مكان يسمح بممارسة ضغوط بواسطة القوى الوطنية والنقابات والروابط المهنية إلخ.

 

حتى اليوم لم نحصل على الجواب المقنع على السؤال حول أسباب تعثر الانتفاضة والمسيرة التغييرية بمجملها.

لا خوض الانتخابات النيابية وفوز نواب تغييريين حقق الهدف المرجو منه وهو إضعاف الطغمة الحاكمة وفرض التنازلات عليها، ولا مؤشرات لتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات استثنائية تلوح في الأفق. التعطيل و الشغور والشلل والتدهور والاختناق هو ما يحصل ويستمر من دون أفق مفتوح على التغيير.

 

أما القائلون بأنه لا جدوى من خوض كل تلك المعارك الجانبية، وأنه من الأجدى بل الأصوب تركيز الجهود على تعديل الدستور بكل وسائل الضغط المتاحة، لأن الدستور الحالي لا يمكن أن يطبق، أو أنه بحد ذاته هو دستور متخلف ولا يصلح للعصر، فهؤلاء القائلون بذلك لا يعِدوننا بأقل من تعديل قانون الانتخاب من أجل إيصال عدد كبير من النواب المؤيدين لتعديل الدستور.

كما أننا لا نعرف كيف يريدون تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخاب من دون امتلاك الوسائل لتحقيق ذلك. هل التوعية بأهمية ذلك الأمر تكفي لتغيير موازين القوى وتحقيق ما عجز الثوار والتغييريون بكل أطيافهم عن تحقيقه حتى الآن؟

 

ثمة مشكلة كبيرة يعرفها الجميع، وهي أنه يوجد قوة أهلية مسلحة غير شرعية ولكنها مدعومة من كتلة اجتماعية ونيابية هامة لن تسمح بتحقيق أمنيات التغييريين بكل ما أوتيت من بأس وقوة.

هذا يعني أنه لن يكون بإمكان أحد أو قوة مهما بلغ تأثيرها السياسي وحجمها الشعبي تجاوز تلك العقبة في مدى منظور. البعض قد يعوِّل على ظروف خارجية تأتي بمفاجآت لم تكن في الحسبان. تلك مراهنة غير مضمونة النتائج.

ها نحن نعود إلى نفس المربع وندور في نفس الدائرة المغلقة: لا حلول في الأفق ولا خلاص ممكناً بالسياسة وحدها. الداخل مغلق على الحلول والخارج لا يمكن المراهنة عليه.

 

كل من يعتبر نفسه نابغة عصره أو أنه فهم اللعبة جيداً وتمكن من استكشاف الحلول وتقديم الأجوبة الصحيحة، وأنه ينبغي الأخذ برأيه والعمل وفق نصيحته وأسلوبه، لا يفعل غير تكرار المقولات البائتة وترديد التعويذات الشعاراتية متوهماً أنه يقدم حلولاً للمعضلات الكبرى وأنه يجيب بدقة على الأسئلة والإشكالات المعقدة.

الخروج من مأزق غياب الحلول العملية المقْنِعة يتم أحياناً بكلام عن أن الطريق طويل وأنه ينبغي امتلاك النفس الطويل ويجب المثابرة والمراكمة، وأن التغيير يلزمه سنوات بل عقود.

الواقع المرير ماثل أمام أعيننا والحقيقة المؤلمة بشدة هي أنه قد نختفي عن هذه الأرض التعيسة، أو نرحل عنها قبل أن تنضج ثمار التغيير ويحين وقت القطاف، وأنه لا يوجد احتمال ضئيل لتحقيق أهداف وشعارات الثورة والتغيير في ظل الأوضاع الكارثية التي تسحق غالبية اللبنانيين وتقذف بهم في مهب الرياح العاتية، أو تغرقهم في لجة الأمواج المتلاطمة من دون رحمة.

 

هل يجب التسليم بالواقع و باستحالة التغيير في هذا الوطن الفسيفسائي المسكون بهواجس الأقليات والمحكوم بالنزاعات الدموية الدورية؟

هل يجب الاقتناع بالفكرة التي بدأت تترسخ في أذهان الكثير من التغييريين الحالمين والمحبطين في نفس الوقت، وهي أن البحث عن خلاص جماعي في بلد كلبنان تحكمه أقلية طائفية مستبدة فاسدة و مرتهنة للخارج، أصبح وهماً لم يعد مفيداً التمسك به؟

يبدو وكأن قوة خفية تدفع الطامحين للتغيير في لبنان للتسليم بأن السياسة بمعناها النبيل لم تعد الوسيلة الناجعة لقيام دولة القانون والعدالة في هذا البلد.

 

في قلب السواد المحيط باللبنانيين من كل جانب، ثمة صوت يصرخ داخل الكثيرين منهم يدعوهم لعدم الاستسلام ورفض الخنوع، ويحثهم على التواضع والتعقل ومتابعة الكفاح لتحقيق طموحهم بقيام دولة المواطنة رغم كل العوائق والمطبات.

إنه ولا شك صوت ضمير كل مواطن لبناني مخلص لوطنه يدفعه لمقاومة الظلم ومواجهة الخبث والجشع المتحكم في سلوك القلة المستبدة والفاسدة الممسكة بالسلطة في لبنان التي تحاول بكل الوسائل إخضاع الثائرين عليها وتدجين المواطنين.

أكثر ما يحتاجه التغييريون الديمقراطيون في لبنان اليوم هو تجميع صفوفهم ووحدة قيادتهم في مواجهة الأقلية المافيوية المتمكنة والمسيطرة على كل جوانب الدولة والمجتمع. تلك الوحدة المنشودة لا يمكن أن تنبني على رؤية سياسية تفصيلية ولا على أفكار أيديولوجية جامدة، وإنما على برنامج الحد الأدنى بعناوينه العريضة : دولة ديمقراطية حديثة لاطائفية، دولة سيدة مستقلة تدمج بين المركزية واللامركزية، دولة متصالحة ومتعاونة مع محيطها العربي، دولة تتأسس على قضاء مستقل، وجيش واحد، ويحكمها تداول السلطة على أساس قانون انتخابي عصري ولا طائفي. 

اخترنا لك