بلدات جنوبيّة تحتجّ… للمرّة الأولى

بقلم رمال جوني

كالصاروخ، حلّق الدولار، قضى على كلّ شيء أمامه، أطاح حتى بلقمة الفقراء، تخطّت الأخيرة الـ30 ألف ليرة. لم يعد هناك شيء قابل للصمود، لم يتزعزع عرش الزعماء بعد، لا يزالون يمارسون لعبة “الغمّيضة” في ما بينهم. لا يبالون بما حلّ بالشعب، فالأخير ينام في سباته.

على وقع إهتزازات الدولار والمحروقات، خرجت إلى الواجهة “دولرة” الغاز أيضاً، لم ينتظر أصحاب بيع قوارير الغاز قرار الدولة، بدأوا البيع وفق سعر الصرف، بانتظار التسعير رسمياً بالدولار. لم يتوقفوا عن البيع، على خلاف المتوقّع، بل بدت حركتهم عادية كما يقول عباس أحد بائعي الغاز في النبطية. يقول إنّ”الخلاف بين الشركات والدولة، سينعكس لاحقاً على حركة البيع، لذا استباقاً للخسائر، قرّرنا البيع وفق سعر الصرف”.

إذاً لا أزمة غاز، ولا حتى أزمة خبز، كلاهما متوفّران في السوق، غير أنّ غبناً خطيراً لحق بالفقراء، لقمتهم مهدّدة، فمن يحتاج ثلاث ربطات خبز يومياً، ويعمل ببدل مالي يوازي المئة ألف، كيف يعيش؟ سؤال طرحته أم محمد وهي أمّ لخمسة أولاد، وزوجها بالكاد يُحَصّل الثلاثة ملايين ليرة شهرياً، فكيف سيدفع 90 ألف ليرة ثمن الخبز؟ تؤكّد أنّها اليوم باتت أمام خيارات كلّها مرّة، إمّا الخبز، أو الاشتراك، أو نقل الطلاب إلى المدرسة الرسمية، فكيف نعيش؟

لم يجد عدد من أبناء بلدات صفد البطيخ وتبنين سوى قطع الطرقات إحتجاجاً، إزاء تفلّت الدولار، هذه المرّة الأولى التي تشهد هذه البلدات الجنوبية تحرّكات احتجاجية. لم تخرج أصوات اعتراضية، حتى في عزّ ثورة 17 تشرين ضد سياسة إفقار الشعب. آثر هؤلاء الصمت، والتفرّج على انهيار البلد.

قطع الأهالي الطريق بالإطارات المشتعلة احتجاجاً، قالوا “كفى ظلماً وإجحافاً”، لم يجدوا سبيلاً آخر للتعبير، فأزمات حياتية جمّة تواجه هذه القرى، لعلّ أبرزها أزمة المياه كما باقي القرى.

دفعت الضائقة المعيشية الناس للخروج إلى الشارع، في صفد البطيخ وكذلك الحال في صور، الوجع واحد، والمعاناة واحدة.

أحد المعترضين في صور سائق تاكسي، وجد أبو مهدي يوسف نفسه في كارثة، تراجع مدخوله كثيراً، لصالح “التوك توك”.

بات أبو يوسف يجد صعوبة في إيجاد زبون، وحتى تأمين البنزين، مع تخطي سعر التنكة المليون ليرة، لم يجد غير الصراخ بغضب يقول: “ما بقى قادر عبّي بنزين، 200 ألف ليرة عبّيت اليوم ما بيّنو، شو عم بيصير فينا، كيف منشتغل؟”.

معاناة أبو يوسف كبيرة “أخاف المرض، أخاف الدخول إلى الصيدلية وحتى السوبرماركت، بات يرعبني عدّاد المحطّة، ويخيفني تفلّت الدولار، نعيش بظروف قاسية، نصمد، ولكن ملَّ الصبر منا”. أبو يوسف هو واحد من مئات يعيشون على حافّة الجوع، خرج للتعبير عن سخطه من الحال، كحال عدد من الشبان، الذين صرخوا في وجه كل الطبقة الحاكمة “بيكفي… إرحمونا”.

صحيح أنّ التحركات الشعبيّة بقيت خجولة، كحركة السير على الطرقات، غير أنّها تعكس واقع الحال، وتراجع القدرة الشرائيّة. واقع يعيد طرح السؤال أين أصبحت البطاقة التمويلية؟

ولماذا وصلت الى أصحاب المال والمحسوبيات واستُثني الفقراء منها؟!

اخترنا لك