لا آذان للمسؤولين لسماع المزيد من تحذيرات صندوق النقد

الليرة نحو الانهيار الكامل وسط التعقيدات السياسية والمالية

بقلم زهير هواري

لم يكترث المسؤولون اللبنانيون، سياسيون وماليون، لما قاله رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان، إرنستو ريغو راميريز، الخميس الماضي من أنّ “لبنان في وضع خطير للغاية”، وسط تصاعد تداخل حدة الأزمات المصرفية والاقتصادية والسياسية. ووصف راميريز لبنان بأنه عند مفترق خطير، مضيفاً أن “الستاتيكو القائم والتقاعس عن اتخاذ إجراءات مطلوبة من شأنه أن يدخل البلاد في أزمة لا نهاية لها، فالإصلاحات بطيئة، لأن الوضع معقد للغاية، والبلاد تمر في أزمة خانقة”. وقال: “كنا نتوقع المزيد من حيث إقرار وتنفيذ التشريعات الخاصة بالإصلاحات المالية.. تأخير الإصلاحات سيضاعف الكلفة على الشعب اللبناني، ونحث الحكومة على الإسراع في تنفيذها”.

تعميق الأزمة دون اصلاحات

وتطبيق خطة الخروج من الأزمة على المدى المتوسط والطويل يرتبط بالتزام الحكومة تنفيذ إصلاحات مسبقة، وإقرار البرلمان لمشاريع قوانين ملحة، أبرزها قانون “كابيتال كونترول” الذي يقيّد عمليات السحب وتحويل العملات الأجنبية من المصارف، إضافة الى إقرار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل قانون السرية المصرفية ومباشرة هيكلة القطاع المصرفي عبر عمليات دمج وتصفية للمتعثرة منها، وتوحيد سعر صرف الدولار وتحديد الخسائر وتوزيع الأعباء على الحكومة والمصرف المركزي والمصارف العاملة والمودعين. وكل هذه لم تتحقق بفعل المراوغة التي يمارسها كل من المجلس النيابي والحكومة، ما يجعل برنامج التعافي الاقتصادي معلقاً على محاولات لوي عنق المطالب التي يريدها الصندوق، والتي تتلافى السلطة بموقعيها التشريعي والتنفيذي الالتزام بها، وسط حرب معلنة من جانب القطاع المصرفي لاسيما حول بندي إعادة هيكلة المصارف وتحميل الخسائر للدولة اللبنانية وإرغامها على تسييل ما تمتلكه من عقارات ومؤسسات عامة لشرائها بأبخس الأسعار، وكذلك موضوع ديون المودعين وما يمكن استردادها منها (دون مائة ألف دولار) وفئاتهم وغيرها من قضايا عالقة.

وكان راميريز قد ترأس بعثة من الصندوق الدولي إلى لبنان أقامت أكثر من أسبوعين، عقدت خلالها لقاءات مع المسؤولين السياسيين والماليين لبحث خطتها لمساعدة لبنان. باعتبار أن الصندوق سبق ووقع مع الحكومة اللبنانيين اتفاقاً يطلق عليه “اتفاق الموظفين” بعد مفاوضات طويلة بدأت في أواخر كانون الثاني/ يناير 2022، حول برنامج للتعافي الاقتصادي في البلاد. وأعلن الصندوق في نيسان/أبريل الماضي عن توصله إلى اتفاق مبدئي مع لبنان على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار تقدم مقسطة على أربع سنوات.

وشرح راميريز أنه من دون اصلاحات “سيغرق لبنان في أزمة لا نهاية لها”، “فمن المتوقع أن تظل مستويات البطالة والفقر مرتفعة، مع استمرار تراجع الإمكانات الاقتصادية. ومن شأن بقاء الوضع الراهن أن يزيد من تقويض دعائم الثقة في المؤسسات الوطنية. والاستمرار في تأجيل الإصلاحات سيؤدي إلى استمرار القيود التي تكبح الاقتصاد، مع ما لها من تبعات على البلد ككل بما يجعل من الصعب إزالتها، ولا سيما على شريحة الأسر منخفضة الدخل إلى متوسطة الدخل. ومع ازدياد الشعور بعدم اليقين سيزداد ضعف المركز الخارجي ويستمر نزيف الاحتياطيات الدولية الشحيحة لدى مصرف لبنان. وسيستمر هبوط سعر الصرف والتضخم المتزايد دون هوادة، مما يؤدي إلى تسارع مخاطر الدولرة النقدية المرتفعة بالفعل. وسيزداد الطابع غير الرسمي للاقتصاد أكثر، مما يقلص مجال تحصيل الضرائب ويفرض المزيد من القيود على الإنفاق من الموازنة العامة، مع زيادة مخاطر ترسخ الأنشطة غير المشروعة في الاقتصاد. ومن دون الإقرار بفجوة القطاع المصرفي الكبيرة والتصدي لها بمصداقية، لن يكون بوسع البنوك تقديم الائتمان الكافي لدعم الاقتصاد، وسيستمر تحمل صغار المودعين خسائر فادحة على مسحوباتهم بالنقد الأجنبي، بينما تظل الودائع المتوسطة إلى الكبيرة محبوسة إلى أجل غير مسمى. ومن جهة أخرى، من المتوقع أن تتسارع وتيرة الهجرة خارج البلاد، ولا سيما هجرة العمالة الماهرة، مما يزيد من إضعاف فرص النمو المستقبلية”. وهذا بعض مما ورد في المؤتمر الصحافي..

الانهيار التاريخي لليرة

وقبل أن يعلن وفد الصندوق ما أعلنه قبل عودته إلى نيويورك سجّلت الليرة انهياراً تاريخياً مع تجاوز سعر الصرف عتبة الـ 140 ألفا مقابل الدولار، قبل أن ينخفض ثانية إلى الـ 110 آلاف، بعد إصدار مصرف لبنان تعميم يعلن فيه استعداده لبيع الدولار على منصة صيرفة بسعر 90 ألف ليرة للدولار الواحد في محاولة يائسة من السلطة السياسية ممثلة بكل من رئيسي المجلس النيابي والحكومة ووزير المال وحاكم المصرف المركزي للحد من انهيار الليرة التي خسرت قرابة 98 % من قيمتها في غضون الاعوام الثلاثة المنصرمة، دون أن تنجح أي من الإجراءات التي جرى اعتمادها سابقاً في تأمين ثبات مستدام لسعر الصرف.

قرار التدخل في سوق القطع هذا الذي حدث بعد اتصالات بين الرئيسين بري وميقاتي يعبر أصدق تعبير عن سياسة “شراء الوقت” من أموال المودعين كما جرت وتجري العادة. فالمصرف المركزي كان قد امتنع عن التدخل في سوق القطع بعد أن لمس مدى نضوب الموجودات التي يتصرف بها. وهو ما أدركه المضاربون الذين زادوا من ضغوطهم على الليرة التي لامست عتبة الـ 150 ألف ليرة في كسر لما اعتبره كثيرون بمثابة خط أحمر. وسياسة ” الغرف” من أموال المودعين لتمويل نفقات دعم المواد الأساسية سابقاً وأجور ورواتب العاملين في القطاع قادت إلى تراجع حاد في ما كان يسمى مال الاحتياط الذي بات مقتصراً على ما وضعته المصارف إلزامياً في حسابات المصرف المركزي. يضاف إلى ذلك كله ضخ الاموال بالعملة الصعبة إلى الخارج عبر التهريب والمستوردات التي تبدأ من النفط والقمح وتصل إلى الأدوية والتجهيزات الطبية وغيرها. ويقود ذلك إلى عجز متصاعد في ميزان المدفوعات طالما أن الصادرات اللبنانية هزيلة، ولا تستطيع اغلاق أو تخفيض الهوة التي تفصلها عن الواردات مع الانكماش والنمو السلبي.

والآن إلى أين ؟

ما إن غادرت البعثة مطار بيروت حتى عادت “حليمة إلى عادتها القديمة”، فالشلل السياسي ما زال يرخي بظلاله على كل من مجلس النواب والحكومة دون حد أدنى من التعديل. فالمجلس لم يجد في الكلام الواضح من جانب الصندوق ما يتطلب مغادرة حال انتظار حلحلة المشكلات من الخارج، وبالتالي الاتفاق الاميركي ـ الايراني ـ السعودي ـ الفرنسي على انتخاب رئيس للجمهورية، كما أن المجلس لم يبادر إلى الخروج و”التشاطر” على الصندوق والتلاعب بالبنود الاصلاحية التي اشترطها، فما زال قانون الكابيتول عالقاً، وتعديلات قانون السرية لم تجعله مقبولاً، وقانون هيكلة القطاع المصرفي لم يتم الاقتراب منه بالنظر لارتباطات عدد كبير من أعضاء المجلس بالقطاع، وسعيهم الحصول على رضا “دهاقنته”. هذا من حيث المجلس، أما من جهة حكومة تصريف الاعمال فما تزال عاجزة عن اتخاذ أي قرارات من شأنها وضع الحصان أمام العربة بما يفتح المجال للحد من تدهور قيمة العملة الوطنية عبر الاصلاحات التي يشترطها الصندوق، وبالتالي وقف التدهور المعيشي عند حدود محتملة.

يتوقع كل المحللين والخبراء الاقتصاديين أن يكون هدوء جموح الدولار مجرد “غمامة صيف” عارضة لا تعمر ولا تأتي بزخات مطر، وتوقع هؤلاء أن يعاود الدولار رحلة ارتفاعه الجنونية بما سيجعل البعض يترحم على حافة الـ 150 ألف ليرة. خصوصاً وأن الارتفاعات التي شهدها الدولار في فورته لم يكن لها مبرر سياسي دراماتيكي، أو على مستوى المؤشرات الاقتصادية والمالية السلبية والعوامل الضاغطة على العملة. لكن ما اتفقوا عليه كان أن ما شهدته البلاد كان بمثابة خطوة في مسار يحفر طريق الانهيار منذ سنوات حتى بلغ ما بلغه. ولعل العامل المقرر في هذه الرحلة لا يتمثل بحال العجز السياسي ـ الاقتصادي ـ المالي كما هو معلوم، بل يتغذى ذلك من تحكم المضاربين في سوق الصرف، في ظل شلل كلّي لمؤسسات الدولة (اضرابات موظفي القطاع العام وموظفي الدوائر العقارية والتعليم الرسمي و..)، وهو أمر يدفع للقول أن ما يمكن أن تجبيه الدولة من رسوم وضرائب وما تحصل عليه من المعاملات قد توقف عن التحصيل، ما يعني أن الدولة ستدق مجدداً أبواب المصرف المركزي للحصول على الاموال لدفع الرواتب. ترافق ذلك مع عودة المصارف إلى اقفال أبوابها، وعجز المصرف المركزي عن ردع صيادي المياه العكرة. ما يعني أن كل الظروف مؤاتية لمغامرات المضاربين ما دام المنحى تصاعدي للدولار وتنازلي لليرة.

وبلوغ الدولار عتبة الـ 150 ألف ليرة بعد كسر حاجز الـ 100 ألف أدخل البلاد في آتون مرحلة جديدة من الانهيار، أشد حدة مما سبق، أي أن السقوط الحر أو الارتطام الكبير بدأ يتحقق. ويتردد الآن في العديد من الاوساط المالية والنقدية حديث عن أضعاف أضعاف الرقم الذي وصله الدولار قبل عودته إلى التراجع. لكن ما يجب ملاحظته أن أحد الخبراء الاقتصاديين دعا إلى التخلي وإلغاء العملة الوطنية واستبدالها بالدولار الاميركي بعد أن باتت لا تساوي ثمن الورق اللازم لطباعتها. وهو محصلة لسنوات من التجاهل والهروب إلى الامام في مقاربة المشكلات التي تدار “مياومة” دون أي أثر لخطة اصلاح وما شابه. ما فتح الطريق واسعاً أمام المضاربين لمتابعة ما بدأوه مستفيدين من مناخات العجز عن اجتراح حلول قادرة على لجم هذا المسار. لذا لم يكن غريباً أن يرتفع الدولار أو ينخفض في غضون ساعات أحياناً 15 أو 20 ألف ليرة. ما يؤكد أن المضاربات باتت هي الممسكة بزمام السوق، وليس المصرف المركزي كما أشيع لتوجهه نحو تجميع الدولارات التي يتوجب على الدولة دفعها لموظفي القطاع العام ضمن سلة من المقرر أن يتخذها مجلس الوزراء لدى اجتماعه بعد أن باتت الأجور أعجز عن تأمين طعام متواضع لعائلة صغيرة مهما كان رتبة التوظيف والفئة التي يتمتع به صاحبها، لأنها السبيل الممكن لإنهاء اضرابات القطاع العام المتواصلة منذ أشهر وتشل سائر المؤسسات.

في زمن “السقوط الحر” على اللبنانيين ألا يتوقعوا من هذه الطبقة بجناحيها السياسي والمالي أكثر من صب الماء في طاحونة الانهيار … كل هذا يحدث دون أن يلمس أحد معارضة جدية تعمل على لجم هذا المسار المدمر.

اخترنا لك