رأي في مسلسل “العربجي”

بقلم أحمد عياش

للأمانة ، مرّ زمن طويل دون أن أتابع أي مسلسل درامي، لا في شهر رمضان ولا في غير شهر ،وذلك لضجر ولملل سريعين يصيبانني من الحلقة الثالثة، إن كان المسلسل دراما سورية تكرر وتعيد نفسها، أو من الحلقة الاولى إن كانت الدراما مصرية، او من الدقائق الخمس الاولى إن كانت الدراما لبنانية ،حتى لو طعّمها بعض اللبنانيين بممثلين سوريين تأسف وتشفق عليهم لمشاركتهم بهكذا مسلسلات.

انهيار فني لبناني يواكب الانهيارات الاخرى.

هو افلاس فنّي عام او هي حالة اكتئاب الجماهير وشعورها باللاجدوى وصعوبة الاهتمام والانتباه والتركيز في زمن البؤس العام.

الا ان مسلسل “العربجي” مميّز. فعندما فكرت أن أعود لرتبة مشاهد طبيعي مثل باقي الناس الصائمين المؤمنين، وحتى كالكفار، بحثت عن الاسماء اللطيفة لايماني أنهم لا يؤدون الا ادوارا رائعة ،فوقع اختياري على الممثل المبدع سلوم حداد .وبما ان في المسلسل اللطيف الرائع باسم يخور تشجعت اكثر.

هو أمر تافه أن يلفت انتباهي وضع اسم باسم ياخور قبل اسم سلوم حداد ،اذ شعرت ان في الامر لغطا ما لا اعرفه.

على باسم ياخور الا يقبل.

من الواضح ان كاتبي المسلسل عثمان جحا ومؤيد النابلسي قد جمعا بخلطة ناجحة مهام و اشكال ابطال عدة قصص عالمية، مترجمين الاشكال للهجة وللبيئة السورية واللاسورية معا.

ليس سهلا ان تترجم اشكال ابطال قصص عالمية للعربية ما جعل البيوت والثياب والوجوه وجدران الشوارع والقبعات المضحكة احيانا مزيجا من شخصيات المسلسلات التركية والفرنسية والروسية والسورية التراثية.

لا اعرف الرابط كمشاهد بسيط بين العربجي ومسلسل البؤساء الذي اخرجه باسم نصر ولعب بطولته انطوان كرباج وفيليب عقيقي سنة 1974 ،ربما شكل الثياب او الاحياء السكنية او البؤس القديم المتجدد.

وجه باسم ياخور بلحيته السوداء وبشعره الطويل وبكنزته نفسها خلال كل الحلقات لغاية اليوم الموصولة برباطات تكشف عن صدره الرجولي ،لا يشبه لا السوريين ولا العرب ولا الاتراك ولا حتى الروس والفرنسيين.

انه اشبه بممثلي هوليود العالميين الذين نجد فيهم بصمات قليلة من كل شعوب العالم ولو ان في الامر لمحات اسبانية غجرية.

لم يضحك العربجي ولو للحظة لغاية الآن، ربما المؤلف والمخرج قررا ان يضحكاه في الحلقة الاخيرة وفق الاسلوب الهندي.

صحيح ان المسلسل خال من الرقصات ومن الاغنيات الهندية، الا انّه مكثّف العُقد والربط المثير الجيد لالزام المشاهد ان يبقى في مكانه ليعرف ما الذي سيحصل في كل دقيقة بعد دقيقة، وهذا نجاح في استلاب بصر وعقل وقلب المشاهد.

علم نفس الفن.

إدخال الدراويش على شاكلة بؤساء صوفيين إلى مشهد إعدام ولو انه جميل ،إلا انه بساطة في معالجة مأزق المؤلف لإنقاذ العربجي من المشنقة.

إصرار المؤلفين على جمع شخصيتي الخير والشر والاستبداد والرقة والعطف والتجبّر على المساكين في شخصية واحدة، تؤديها السيدة نادين خوري. ليس امراً بسيطا وعابراً ،فالمؤلفان ربما احتارا لهذا الدور بين رجل وبين امرأة، فقررا جمع الوجه الجميل لنادين مع عصا ليست بحاجة لها لتتكئ عليها عند المشي بقدر ما قُرّر للعصا وللمسبحة الطويلة جمع القوة والسلطة مع الأيمان وفق حاجات العيش.

ضرورة ميول فلسفية في المسلسل لكسب رضا المثقفين وأصحاب النخب.

ديما قندلفت قدّر لها بثيابها الأوروبية التراثية العتيقة والمساحيق الواضحة والمقصودة على وجهها وبطريقة مشيها الاستعراضية وبأسلوب مخاطبتها وحديثها، تظنها لبرهة انها ستكمل المشهد برقصة تحد تليق بها كغجرية إسبانية رافعة يديها إلى الأعلى ومطقطقة بخشب نعل حذائها ورافعة طرف ذيل ثوبها إلى الأعلى صارخة :

هولللي!.

القصة خلطة من وقائع ،وغير صحيح انها كما جاءت في المقدمة انها من خيال. فالمؤلفان احتالا على النص مما تيسر من اعمال عالمية وحتى سورية سابقة وعربية.

دمج شخصيات عدة لخلق شخصية جديدة فكرة رائعة انما محفوفة بالمخاطر.

في مراجعة سريعة لاسم المخرج تبين ورود عدة اسماء مثل السيد علي محيي الدين علي وناجي طعمي، ثم اخيرا سيف الدين السبيعي الموفق تماما ولغاية الآن في اخراج المسلسل.

مسلسل جميل يستحق المشاهدة ،وليس غريبا عن الدراما السورية وعن عمالقتها ان يشعرونا بالفخر وبالاعتزاز بعروبتنا التي تجمعنا على السراء والضراء ، لا على توحيد مساري البؤس بين لبنان وسوريا.

اقول كلامي هذا وانا جالس على تنكة تاترا مقلوبة تحت شجرة زيتون محررة في حاروف، اتابع المسلسل واصفق لكل الذين شاركوا في انتاجه اكانوا صائمين ام كفرة.. والسلام .

اخترنا لك