
كاتب سياسي
عندما يحرّر التفاوض ما عجزت عنه الحروب
خاص بوابة بيروت
لطالما قيل للبنانيين إن البندقية وحدها تحرّر، وإن التفاوض استسلام، وإن الدبلوماسية ضعف، وإن السلام خيانة. لكن الوقائع، كما هي عادتها، جاءت لتسقط الشعارات وتنتصر للحقيقة.
إذا نُفّذ الاتفاق الذي أُعلن عنه يوم الجمعة، فإن لبنان سيكون أمام محطة تاريخية غير مسبوقة، للمرة الأولى، تستعاد أراضٍ لبنانية عبر التفاوض والدبلوماسية، لا عبر حرب جديدة، ولا عبر آلاف الضحايا، ولا عبر تدمير المدن والقرى.
هذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة كتابة كثير من المسلمات التي زُرعت في عقول اللبنانيين لعقود.
لقد شاهد اللبنانيون نتائج الحروب المتتالية. رأوا البيوت تتحول إلى ركام، والاقتصاد ينهار، والأطفال يُهجّرون، والأمهات يودّعن أبناءهن، والآلاف بين شهيد وجريح ومفقود، فيما بقيت الشعارات أعلى صوتاً من الإنجازات.
أما اليوم، فإن الدبلوماسية تثبت أنها ليست مرادفاً للتنازل، بل وسيلة لتحقيق المصالح الوطنية بأقل الأكلاف وأكثر المكاسب.
لقد أثبتت التجربة أن:
“الدبلوماسية تستطيع أن تحرّر.
والتفاوض قادر على حماية الحقوق”.
والعقل السياسي قد يحقق ما تعجز عنه المدافع.
و أن السلام ليس هزيمة، بل الطريق الوحيد لبناء دولة تستحق الحياة.
منذ عقود، كانت كل مواجهة عسكرية تُقدَّم للبنانيين على أنها “الطريق إلى التحرير”. لكن ماذا كانت الحصيلة؟
مدن مدمّرة…
اقتصاد منهار…
استثمارات هاربة…
مئات آلاف المهجّرين…
وعقود ضائعة من عمر وطن كان يمكن أن يكون في مكان مختلف تماماً.
الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بعدد الأطفال الذين عادوا إلى مدارسهم، وعدد العائلات التي رجعت إلى منازلها، وعدد المشاريع التي أُعيد إطلاقها، وعدد فرص العمل التي خُلقت، وحجم الأرض التي استعيدت دون أن يُضاف اسم جديد إلى قوائم الشهداء.
السلام لا يلغي الكرامة الوطنية، بل يحفظها.
والتفاوض لا ينتقص من السيادة، بل قد يكون الطريق الأذكى لترسيخها.
أما إعادة الإعمار، فلن تتحقق بالخطب الحماسية، ولا بالشعارات، ولا بإعلانات “الانتصار” التي لا تغيّر شيئاً في حياة المواطن، بل تحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، وإلى دولة واحدة تحتكر القرار والسلاح، وإلى علاقات دولية تفتح أبواب الاستثمار والدعم، لا أبواب الحروب والعقوبات.
لقد أثبتت الوقائع أن الحروب قد تفرض أثماناً باهظة، لكن الدبلوماسية قادرة على تحقيق النتائج عندما تتوافر الإرادة السياسية والحكمة.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل لبناني هي أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب فقط، بل بقدرتها على منعها، وحماية شعبها، واستعادة حقوقها، وبناء مستقبل أبنائها.
فالأوطان لا تعيش على الذكريات، ولا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بالإنجازات.
وإذا كان الأمس قد أثبت شيئاً، فهو أن الحوار قد يفتح أبواباً عجزت المدافع عن فتحها، وأن الدبلوماسية ليست نقيض الوطنية، بل قد تكون أسمى تجلياتها عندما تنجح في إعادة الأرض، وحماية الإنسان، وفتح الطريق أمام إعادة إعمار وطن أنهكته الحروب.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير