بقلم إيلي الورد – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
كل الكوارث تُقاس بعدد موتاها، فثمّة كوارث يموت فيها الزمن، وتبقى الأرواح معلّقة بين السماء والأرض، لا هي قادرة على النسيان، ولا هي قادرة على العودة إلى ما كانت عليه.
ستّ سنوات مرّت على انفجار مرفأ بيروت، وما زالت المدينة تستيقظ كل صباح على صوت انفجار لا يسمعه إلا من فقد حبيبًا، أو دفن حلمًا، أو حمل في صدره وجعًا لا يراه أحد.
في ذلك اليوم، لم يسقط الإسمنت وحده، بل سقط شيء من إنسانيتنا. انكسرت الثقة، وتبعثرت الطمأنينة، وشعر الإنسان، للمرة الأولى، أن الحياة قد تغادره في طرفة عين، من غير وداع، ومن غير كلمة أخيرة، ومن غير فرصة لاحتضان من يحب.
كان المرفأ بوابةً للحياة، فإذا به يصبح بوابةً للموت. وكانت بيروت عروس البحر، فإذا بها ترتدي ثوب الحداد، ما زالت تتكاثر فوق جراحها كما تتكاثر الأمواج على شاطئها.
ويخطئ من يظن أن الضحايا هم الذين رحلوا فقط. فالذين بقوا أحياء يحملون موتًا آخر؛ موتًا بطيئًا يسكن الذاكرة. أمٌّ ما زالت تهيئ مائدةً ينقصها كرسي، وأبٌ ما زال يسمع وقع خطوات ابنه في الممر، وطفلٌ كبر قبل أوانه لأنه تعلّم أن البكاء لا يعيد الأحبة.
الجرح ليس في الجسد وحده، بل في الروح أيضا والروح إذا جُرحت لا تُخاط بالإبر، ولا تُداوى بالأدوية، بل تحتاج إلى حقيقةٍ تُنصفها، وعدالةٍ تردّ إليها بعضًا من كرامتها، وإلى وطنٍ يحفظ دموع أبنائه كما يحفظ حدوده.
ستّ سنوات… ولا يزال السؤال معلقًا بين الأرض والسماء: كيف يمكن لمدينة أن تُقتل مرتين؟ مرةً بالانفجار، ومرةً بالانتظار. انتظار الحقيقة… وانتظار العدالة… وانتظار أن يشعر العالم أن دمعة أمّ لبنانية تساوي الدنيا كلها.
إن المرافئ خُلقت لاستقبال السفن، لا لاستقبال النعوش. وخُلقت لتفتح أبواب الرزق، لا لتفتح أبواب المقابر. لكن في ذلك اليوم المشؤوم، تبدلت قوانين الحياة، وصار البحر شاهدًا على مدينة احترقت، والريح رسولًا يحمل أنينها إلى العالم كله.
أيها الشهداء… لم ترحلوا لأن الموت انتصر، بل لأن الحياة كانت أقصر من أحلامكم. بقيت أصواتكم في الأزقة، وضحكاتكم في البيوت، وآثار أقدامكم على الأرصفة، وكأنكم تقولون لنا: لا تجعلوا النسيان قبرًا ثانيًا لنا.
إن الأمم لا تموت حين تقع الكوارث، بل تموت حين تفقد ذاكرتها. فإذا نسينا شهداء المرفأ، نكون قد أطفأنا آخر شمعة في ضمير هذا الوطن. أما إذا حفظنا أسماءهم، وحملنا قضيتهم في وجداننا، فإنهم سيبقون أحياءً، لأن الإنسان لا يخلده عمره، بل تخلده المحبة التي يتركها في قلوب الآخرين.
يا بيروت… يا مدينةً تعبت من حمل الصليب، كم مرةً ستقومين من بين الركام؟ وكم مرةً ستغسلين حجارتك بدموع أمهاتك؟ وكم مرةً ستزرعين الورد فوق أماكن سقط فيها الأبرياء؟ ومع ذلك، ستبقين، لأن المدن التي باركها الألم لا تنكسر، بل تصبح أكثر التصاقًا بالله، وأكثر قدرةً على النهوض.
رحم الله من رحلوا، وشفَى من تألموا، ورافة من بقوا يحملون هذا الصليب الثقيل. وليكن السادس من آب موعدًا سنويًا لإحياء الضمير، لأن الأوطان تُبنى بالحقيقة، وتُصان بالعدالة، وتبقى وفية لأبنائها.
