بقلم مروان الأمين
يحظى السيّد حسن نصرالله بمكانة فريدة في وجدان الرأي العام الشيعي، وهي مكانة لم يسبق أن نالها أي زعيم شيعي آخر. ومن الصعب أن تظهر شخصية شيعيّة أخرى خلال العقود المقبلة قادرة على بلوغ هذا المستوى من التأثير والرمزية.
تتعدّد العوامل التي أسهمت في ترسيخ هذه المكانة، فمنها ما يرتبط بشخصيته، إذ يتمتع بحضور قوي، وكاريزما قيادية، إلى جانب قدرات خطابيّة استثنائيّة. أما على المستوى السياسي، فقد لعب دوراً محورياً في صعود نجم “حزب الله” منذ التسعينات، ليصبح “الحزب” تحت قيادته فاعلاً رئيسياً، في المشهد اللبناني، ولاعباً مهماً على مستوى الإقليم.
إلّا أنّ هناك محطات مفصليّة في مسيرته شكّلت تحوّلاً جوهرياً في نظرة أبناء الطائفة الشيعية إليه، أبرزها استشهاد نجله هادي خلال مواجهة عسكرية مع الجيش الإسرائيلي وسقوط جثمانه في الأسر. أن يكون نجله في الصفوف الأمامية كمقاتل شأنه شأن سائر عناصر “الحزب”، وأن يُدرج جثمانه ضمن عملية تبادل دون أي تمييز، عزّز من مكانته في وجدان أنصاره، ورسّخ صورته كقائد يقدّم نجله من أجل القضية التي يحملها، ما رفع منسوب الاحترام والتقدير له بشكل استثنائي.
محطة أخرى كان لها تأثير بالغ على مسيرته، تمثلت في الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000. وبغض النظر عن تفاصيل هذا الانسحاب والمفاوضات التي حصلت من أجل إتمامه، فقد كرّسه هذا الحدث كقائد حقق انتصاراً عجزت عنه جيوش عربية، ما وسّع دائرة نفوذه ومكانته إلى ما هو أبعد من الطائفة الشيعية والحدود اللبنانية.
شكّلت حرب تموز 2006 محطة مهمّة في تكريس زعامته وترسيخ رمزيته، إذ خرج منها “حزب الله” متماسكاً على المستويين العسكريّ والتنظيميّ رغم شدّتها. وخلالها، نفّذ “الحزب” عمليات عسكرية ذات دلالات معنويّة كبيرة لدى جمهوره، كان أبرزها استهداف البارجة الإسرائيليّة بالتزامن مع كلمة متلفزة لنصرالله، في مشهدٍ عزّز صورته كقائد ميداني وسياسي استثنائي.
عقب الحرب، أضفى نصر الله بُعداً دينياً على نتائجها بإعلانه تحقيق “نصر إلهي”، وهو ما عزز هالته القياديّة إلى مستويات غير مسبوقة. إذ أصبح اللقاء به امتيازاً. وتحوّلت خُطبه الى بوصلة لتحديد الاتجاهات. وصار صاحب الكلمة الفصل في انتخاب وتكليف الرؤساء وتعيين الوزراء.
شكّل اغتياله تتويجاً لمسارٍ بات، بفعل الاغتيال، يلامس حدود التقديس في وجدان الرأي العام الشيعي، حيث تكرّس مُنفرداً بمكانة استثنائيّة في الوعي الجماعي للطائفة، ومتجذّرة في عاطفتها الجمعية. من هنا، لم يكن مشهد الحشود الكبيرة في تشييعه مفاجئاً، إذ عكس حجم الارتباط العاطفي والرمزي بشخصه.
مع ذلك، لن يستطيع “حزب الله” تحويل هذا الزخم الشعبي إلى مكاسب سياسيّة لأنه بات يفتقد إلى المشروع. إذ إن من كان يختصر بشخصه “الحزب” والمشروع والفكرة والانتماء والثقة قد دُفن. و”الحزب” الذي كان يتميز بقدرات تنظيميّة وعسكريّة وقياديّة وماليّة هائلة، قد هُزم وأُصيب بزلزالٍ غير مسبوق. والمرحلة التي كان خلالها البلد جزءاً من النفوذ الإيراني قد انتهت، ودخل لبنان والمنطقة في مرحلة جديدة تتناقض جوهرياً مع المرحلة السابقة.
مثّل اغتيال نصرالله ذروة مسيرته ومكانته في وجدان الرأي العام الشيعي، لكنه كان أيضاً نقطة تحوّل سياسية كبرى، حيث وُوري في الثرى معه النفوذ الإيراني في لبنان، بل في المنطقة بأسرها، وما سمعه أعضاء الوفد الإيراني في قصر بعبدا والسراي الحكومي يجعل منهم شهوداً على ذلك.