الراي
… ليس مهماً أن يَسمع بعض الداخل الذي تَوَجَّه إليه الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم بمعادلة «والمقاومة مستمرة وعندما نقول ذلك فيعني أنها مستمرة في الميدان ولن نوقفها مهما فعلتم»، فالأهم والأخطر كيف سمعتْ وتلقّفت إسرائيل هذا الموقف الأوضح للحزب منذ انتهاء «حرب لبنان الثالثة» وما سيترتّب عليه في ضوء مضي تل أبيب في تطبيق مندرجات اتفاق وقف النار (27 نوفمبر) بالنار حتى نزْع السلاح جنوب الليطاني وشماله، ومعاينةِ المجتمعين العربي والدولي مدى التزام لبنان الرسمي بتعهداته لجهة حصرية السلاح بيد الشرعية وبسط سيطرتها بقواها الذاتية لوحدها على كامل أراضيها، باعتبار هذا المسار مفتاحاً رئيسياً لتمويل عملية إعادة الإعمار فلا يكون ذلك لدولةٍ «مثقوبة» سيادتها ولا تملك قرار الحرب والسلم.
هكذا تعاطت أوساط مطلعة في بيروت مع المواقف التي أطلقها قاسم في أول مقابلة «سين جيم» منذ تولّيه منصب الأمين العام (خلفاً للسيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين اللذين اغتالتهما اسرائيل تباعاً في سبتمبر وأكتوبر الماضييْن)، وهي الإطلالة التي جاءت محمَّلة في الشكل والمضمون برسائل إلى الداخل والخارج تؤشر إلى معاندةٍ متمادية للتسليم بالمتغيرات الجيو – سياسية في المنطقة وصولاً لاعتبارها انعكاساً لـ «الهجوم المضاد» الذي شكّله تمرُّد الساحل السوري عبر فلول نظام بشار الأسد والذي يُخشى أن يكون «أول غيث» مساراً من الفوضى المنظّمة على شكل «حرائق متنقّلة» في «بلاد الشام» تعكس قراراً للمحور الإيراني بتنظيم ساحاته وحضوره فيها وفق التحولات في موازين القوى، حداً للأضرار ما أمكن في بعضها عبر شراء الوقت، واقتطاعاً للنفوذ في بعضها الآخَر من فم الوقائع الجديدة.
وفي وقت يجد لبنان نفسه بين رياح ساخنة تطلّ من سورية وأخرى لم تهدأ من جبهته الجنوبية مع اسرائيل التي تُعْلي معادلةَ «لا حدود أمام ضمان أمننا الوجودي»، سواء مع «بلاد الأرز» أو سورية الجديدة أو غزة وصولاً لإبقاء إيران على رادار «الحساب الكبير»، باتفاقِ نووي + يشمل صواريخها البالستية وأذرعها في المنطقة وأدوارها في الساحات أو بضربة عسكرية، وفق المفاضلة التي حدّدتها واشنطن لطهران، فإن الجديد في مواقف قاسم التي أطلقها ليل الأحد تمحور حول:
– حسْم أن القرار 1701 يتعلق بجنوب الليطاني، وتقديمه تفسيراً لحصرية السلاح على قاعدة أنه يتعلق بالداخل لكن «المقاومة شأن آخر».
وأكد «نقول أيضاً بحصريّة السّلاح لقوى الأمن الدّاخلي والجيش لضبط الأمن في لبنان وللدّفاع، ولسنا ضد أن يكونوا مسؤولين، ونرفض منطق الميليشيات وأن يشارك أحد الدّولة في حماية أمنها، لكننا مقاومة ضدّ العدو الإسرائيلي»، و«كمقاومة نعتبر أنّ إسرائيل خطر بكلّ المعايير، ومن حقّ المقاومة أن تستمر».
-الإيحاء بأن احتلال اسرائيل للتلال الخمس ومساحة تناهز 13.2 كيلومتر مربع على الحدود الجنوبية للبنان سيتحوّل ذريعة جديدة لتبرير بقاء سلاح الحزب على قاعدة «بقيتم بقينا»، معلناً «لن نسمح للإسرائيليين بالبقاء في المناطق التي لايزال يحتلها. ونحن نعطي الدولة الفرصة في العمل السياسي كي نثبت للعالم كله أنّ إسرائيل لا تنسحب بالسياسة بل بالمقاومة».
– غمزه من قناة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي أكد مراراً أن لبنان تعب من حروب الآخرين على أرضه، إذ اعتبر قاسم أن مَن يتكلم بمنطق حروب الآخرين لا منطق له.
– إحداثه «ربط نزاع» مع أي اعتداء على إيران باعتبار أنه ستكون له «أثمان كبيرة جداً وسينعكس على المنطقة كلّها»، ومقارباً ما يحصل في سورية من باب «من المبكر معرفة ما ستؤول إليه الأوضاع، ونتمنى لسورية الاستقرار وأن يجدوا طريقة للتفاهم حول نظام يساعد على إقامة سوريا القوية، وأن يضعوا حداً للتمدد الإسرائيلي»، مؤكداً «لا نتدخل في سورية، ولا أستبعد أن تنشأ هناك مقاومة ضد العدو الصهيوني».
وإذ يَشي كلام قاسم في الشق المتعلق «بالمقاومة المستمرة» وسلاحها بـ «متاعب» سياسية ودبلوماسية للبنان الرسمي الذي يجد نفسه عالقاً بين إصرار خارجي على أنها لحظة الدولة «فإما تكون أو لا تكون» وهذا هو جواز المرور إلى خزائن تمويل إعمار مع «احتمال صفر» أن يعقبه غداً أو بعد سنة أو 10 خراب جديد، وبين أنياب اسرائيل التي تواصل غرزها في كل مكان تعتبر أن فيه «خطراً وشيكاً»، فإنّ موقف الأمين العام من سورية لم يبدّد، وفق الأوساط نفسها، الاتهامات من دمشق لإيران والحزب بدور في أحداث الساحل، بالتوازي مع تعزيزه مضبطة الاتهام الاسرائيلية لـ«حماس» و«الجهاد» بالاستعداد لإنشاء جبهة أخرى ضد تل ابيب.