بقلم بلال مهدي
لم يعد خافيًا على أحد أن ازدواجية الخطاب لدى “شيعة إيران” في لبنان قد بلغت مرحلة الفصام الكامل، بحيث باتت أقوالهم لا تتطابق إطلاقًا مع أفعالهم، وكأنهم يعيشون في عالمٍ موازٍ منفصل عن الواقع اللبناني. هذه الحالة المرضية في السياسة، والتي تُترجم عبر خطابات منمّقة تخفي خلفها حقيقة التبعية، تشكّل الدليل الأوضح على ضياعهم وتيههم بين شعارات المقاومة المزعومة وخيبات السلطة الفعلية.
فالذين يدّعون يوميًا أنهم حماة الوطن والممانعة، هم أنفسهم الذين يشاركون في حكومات غارقة في الفساد، ويديرون وزارات لم تقدّم يومًا سوى الولاء للجماعة. والذين يملؤون الشاشات بكلام عن الكرامة والسيادة، هم أنفسهم الذين وقّعوا على تسليم ثروات لبنان النفطية والغازية للكيان الغاصب، دون أن يرفّ لهم جفن أو يحمرّ لهم وجه. أي مقاومة هذه؟ وأي “انتصار إلهي” يتغنّون به وهم يتخلّون عن ثروات الشعب تحت الطاولة؟
الفصام في خطابهم لا يقتصر على التناقضات بين الكلام والفعل، بل يتجلّى أيضًا في طريقة تعاطيهم مع جمهورهم. إذ يستمرون في إغراق بيئتهم بشعارات البطولة والتضحية، بينما الواقع يقول إنهم لم يقدّموا سوى القبور لأبنائهم والمزيد من الانهيار الاقتصادي لمجتمعهم. يبيعون الوهم على أنه قدر، والخضوع على أنه خيار، والدمار على أنه “طريق إلى القدس” الذي لم يصلوا إليه.
الأجدر بهؤلاء، بدل الاستمرار في مسرحيات الكذب والخداع، أن يتحلّوا بذرة من الجرأة ويعترفوا بفشل مشروعهم في لبنان. وإذا كانت لديهم ذرّة احترام لأنفسهم وللشعب، فليقدّموا استقالاتهم من الحكومة، وليفسحوا المجال أمام من يضع مصلحة لبنان أولًا وأخيرًا. لكن، كيف يمكن أن نتوقع من التابع أن يستقيل وقراره مرتهن بالكامل للولي الفقيه في طهران؟
المأساة أن خطابهم المزدوج لم يعد يُقنع حتى جمهورهم الضيق. فقد بدأت بيئتهم تكتشف الحقيقة المرة، أن كل تلك السنوات من الدماء والتضحيات لم تجلب سوى الخراب والفقر والعزلة، وأن سلاحهم الذي زعموا أنه لردع العدو “الإسرائيلي”، أصبح أداة لقمع الداخل وترهيب المعارضين وتخويف كل من يجرؤ على فضح حقيقتهم.
اليوم، يقف “شيعة إيران” في لبنان أمام لحظة تاريخية فارقة، إما أن يستمروا في الفصام والخداع والعيش في الوهم، وإما أن يواجهوا الحقيقة ويعترفوا بأنهم أضاعوا البوصلة الوطنية، وأن مشروعهم لم يجرّ على لبنان سوى الكوارث. لكن ما نراه حتى الآن، لا يبشّر بأي صحوة ضمير. بل على العكس، يزيدون من جرعات الخطاب الانتصاري الكاذب في محاولة يائسة لإخفاء عجزهم وانكشاف حقيقتهم.
إن لبنان لم يعد يحتمل المزيد من المسرحيات السياسية ولا المزيد من ازدواجية المعايير. والمطلوب اليوم ليس خطابات مفرغة ولا شعارات جوفاء، بل انسحاب هؤلاء من المشهد السياسي، وترك الساحة لشعب يريد أن يعيش بكرامة، بعيدًا عن أوهام “الممانعة” الفارغة والولاءات الانتحارية.