حزبٌ يبحث عن هيبته

بقلم مروان الأمين

منذ تسلّم الرئيسان جوزاف عون ونواف سلام مقاليد المسؤولية، بدا واضحًا أنّ مقاربتهما للمرحلة تقوم على الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع “حزب الله”، حتى غدا شعار “احتضان الحزب” بمثابة العنوان الأبرز للعهد. فقد أبدى الطرفان تجاوبًا واسعًا مع مطالب “الحزب”، سواء في مسار تشكيل الحكومة، أو في ما تلا ذلك من تعيينات عسكرية وأمنية وقضائية وإدارية. أمّا في الملف الأكثر حساسية والمتعلق بحصريّة السلاح بيد الدولة، فقد اعتمد الرئيس عون نهج الحوار المباشر مع “الحزب”، بعيدًا من الإعلام، في محاولة لإدارة هذا الاستحقاق الشائك برويّة وسلاسة، أيّ “بدو ياكل عنب، ما بدو يقتل الناطور”.

كان واضحًا للرئيسين أنّ المسار الذي سلكاه سوف يؤدي إلى إحباط لدى معظم اللبنانيين الذين كانوا يترقّبون خطوات حاسمة تُعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، باعتبارها المدخل الرئيسي لأي إصلاح جاد ولبناء دولة فعلية. هذا المسار انعكس سلبًا على شعبيتهما، ولا سيما شعبية الرئيس عون، الذي أخذ على عاتقه حلّ ملف السلاح.

كان رهان عون أن يقود هذا المسار إلى صيغة متوازنة، تُقنع “الحزب” بتقديم المصلحة اللبنانية والتخلي عن سلاحه، ولكن من دون أن يُترجم الأمر هزيمة سياسية في الداخل اللبناني أو كسرًا لصورته. بكلمات أخرى، سعى عون إلى مخرج سياسي يُتيح لـ “الحزب” الحفاظ على ماء الوجه.

في المقابل، كانت لـ “حزب الله” مقاربة مغايرة تمامًا. فـ “الحزب” الذي كان أحوج ما يكون إلى هذا الهامش من الليونة والاحتضان السياسي، لم يتعامل معه كفرصة للتوصل إلى تسوية تُقدَّم فيها المصلحة الوطنية على ما عداها، بل استغله من أجل استعادة توازنه السياسي وفرصة لترميم الذات، تمهيدًا لقطع اليد الممدودة والانقضاض على الشرعية.

اصطدم الرئيسان عون وسلام بواقع المماطلة التي يعتمدها “الحزب” منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، تحت شعارات الحوار ومسميات “الاستراتيجية الدفاعية”. كما أدركا أنّ مخاطر وأثمان باهظة باتت تترتب على البلد إذا ما استمرا في سياسة المسايرة والتأجيل. فكان قرار الخامس والسابع من آب بعد مسار اتّسم بالمماطلة، وتداركًا لمخاطر لا تحتمل المزيد من التأجيل.

كان من المنتظر أن يلاقي “حزب الله” اللبنانيين الذين احتضنوا بيئته خلال الحرب، وأن يقدّر للرئيسين عون وسلام ما قدّماه له من احتضان سياسي ومؤسساتي في مرحلة بالغة الحساسية. غير أنّه عاد إلى خطاب التصلّب والتشبّث بخيار السلاح، مستعيدًا لهجة التحدي للدولة والشرعية، ومُستحضرًا لغة التخوين بحق الرئيسين، بل وصل به الأمر إلى التلويح بمواجهة عسكرية مع الجيش اللبناني.

في خضمّ التصعيد المتدرّج الذي يقوده “حزب الله”، برزت الدعوة إلى النزول إلى الشارع قبل أن يتم التراجع عنها. خطوة كهذه من قبل “الحزب” ليست مفاجئة، فهو يتحرك وفق إيقاع مرسوم من طهران، لكنّ التساؤل الحقيقي يتوجّه إلى الرئيس نبيه بري. الرجل يكرر أمام زواره أنّ “إعادة الإعمار هي أولوية الأولويات”، غير أنّ سلوكه السياسي يشي بعكس ذلك تمامًا. فهل يخدم الانسحاب من جلسة مجلس الوزراء، ومشاركة “الحزب” في مغامرة الشارع العبثية، مشروع إعادة الإعمار؟ أم أنه يصبّ فقط في خانة الدفاع عن بقايا السلاح الإيراني؟

إنّ حجم الهوّة بين مشروع “حزب الله” والمصلحة اللبنانية يتّسع عند كل استحقاق. وأصبح واضحًا أنّ “حزب الله”، الذي مُني بهزيمة عسكرية في الحرب الأخيرة، قد استدار إلى الداخل، ويبحث بين بعبدا والسراي عن هيبة بدل عن ضائع.

اخترنا لك