كتب رياض عيسى
نظم المنبر الوطني للإنقاذ في بلدة الهبارية – قضاء حاصبيا ندوة سياسية بعنوان: “من الجنوب إلى الجمهورية: الواقع السياسي على مفترق التحولات الكبرى”، أدارها الناشط السياسي والاجتماعي رياض عيسى، بمشاركة الأستاذ زكي طه والدكتور علي مراد من المنبر الوطني للإنقاذ، وذلك بحضور حشد من أبناء البلدة والمنطقة وفاعليات سياسية واجتماعية وثقافية.
افتتح عيسى الندوة مرحّباً بالحضور في بلدتهم الهبارية، “قلب العرقوب النابض”، مستعرضاً التضحيات التي قدّمتها المنطقة عبر تاريخ لبنان من شهداء ومعتقلين وتهجير وحرمان، لتبقى رغم كل الظروف نموذجاً للعيش الواحد. وأكد أن هذه الندوة، الأولى بعد الحرب الأخيرة، وهي تشكل مساحة للنقاش الحر والصريح بعيداً عن التخوين أو الإقصاء.
وتوقف عيسى عند دلالات انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، مشيراً إلى أن البيان الوزاري المستند إلى خطاب القسم أعاد الأمل للبنانيين، لكنه شدد على أن المرحلة المقبلة تبقى محفوفة بالأسئلة الكبرى:
– هل تستطيع الدولة أن تبسط سلطتها على كامل أراضيها؟
– ما مصير السلاح خارج الشرعية؟
– كيف سيُعاد إعمار ما تهدم وكيف سنضمد جراح الحرب ووهل سيعود الأهالي إلى قراهم قريباً؟
– وهل الجيش قادر على ردع العدوان وحماية الحدود في ظل استمرار الخروق الإسرائيلية؟
ورأى أن الأزمة الراهنة تُختصر في عنوان واحد: الانتقال من حالة “اللا–دولة” إلى “الدولة السيدة القادرة”، دولة القانون والحقوق والواجبات، مؤكداً أن الجنوب سيبقى قلب المعادلة الوطنية ومفتاح الاستقرار أو الانفجار، وما يحدث فيه ينعكس على الجمهورية. كما ان مستقبل الجمهورية يحدد مستقبل الجنوب.
استهلّ الدكتور علي مراد كلمته بالتعبير عن اعتزاز خاص بوجوده في الهبّارية ومنطقة العرقوب، هذه البقعة الواقعة في قلب الجنوب اللبناني على أبواب فلسطين والمطلة على سوريا، والتي شكّلت عبر التاريخ جزءاً فاعلاً من مسار المنطقة وقدّمت تضحيات جسيمة دفاعاً عن لبنان والقضية الفلسطينية.
وانتقل من ثمّ إلى الحديث عن التحوّلات الكبرى التي يعيشها لبنان والمنطقة وانعكاساتها المباشرة على الجنوب. ومن عنوان الندوة “من الجنوب إلى الجمهورية” أكّد أنّنا أمام مرحلة جديدة تستدعي مقاربة مسؤولة، وأنّ السؤال المركزي اليوم هو: كيف نحمي لبنان ككل، لا كيف نحمي سلاح حزب الله أو مصالح فئوية ضيّقة. وفي هذا السياق شدّد على أنّ حصرية السلاح يجب أن تكون بيد الدولة، لأنّها وحدها المخوّلة بحماية المواطنين وصون السيادة.
ركّز الدكتور مراد على أنّ الجنوب يتعرّض لنكبة كبرى، وأنّ الأولوية الوطنية يجب أن تتركّز على العودة، إعادة الإعمار، وتنشيط الحركة السياسية والاقتصادية في القرى الجنوبية. ورحّب بقرارات الحكومة الأخيرة، معتبراً أنّها تنسجم مع المصلحة الوطنية، مؤكداً أنّ الدولة هي الطرف الوحيد القادر على تأمين عودة الأهالي، إعادة الإعمار، وضمان الأمن والاستقرار. وفي هذا الإطار دعا إلى أن تتحمّل الدولة مسؤولية دعم صمود الجنوبيين في قراهم منذ الآن، لا بعد انتهاء الأزمات.
كما شدّد على ضرورة التمسك بأعلى درجات الوحدة الوطنية، ورفض كل خطاب تخويني يهدف إلى إضعاف الموقف الداخلي أو شق الصفوف. ورأى أنّ محاولات إثارة قضايا إشكالية ليست سوى هروب إلى الأمام يضعف الدولة ويقوّض سيادتها الكاملة على الأراضي اللبنانية. وختم بالتنبيه إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعانيها القرى الأمامية الممتدة من الناقورة إلى الهبّارية، معتبراً أنّ مواجهة هذه التحديات تعيد الاعتبار للسياسة على المستويين الوطني والمحلي معاً.
من جهته، قدّم الأستاذ زكي طه مداخلة معمقة بعنوان “من الجنوب إلى الجمهورية في عصر السيطرة الأميركية”، توجه في بدايتها بالتحية لشهداء لبنان والجنوب والأسرى والمحررين، لافتاً إلى أن الأزمات التي تعيشها المنطقة جاءت نتيجة انقساماتها الداخلية، وأن الولايات المتحدة أحكمت سيطرتها مستفيدة من أنظمة الاستبداد وأحزاب الطوائف.
وأشار طه إلى أن تجربة العراق وسوريا، كما التدخلات التركية والإسرائيلية، كلها تصب في إطار إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأميركية – الإسرائيلية، معتبراً أن لبنان ليس بمنأى عن هذه السياسات، وأن الجنوب دفع أثماناً باهظة في هذا الصراع.
وانتقل طه إلى لبنان والجنوب حيث لا يمكن فصل ازمة لبنان عن ما يجري في المنطقة. وذكر بموقع ودور الجنوب الطويل في احتضان النضال الفلسطيني وفي مواجهة الاعتداءات والاجتياحات والاثمان التي دفعها في سائر المحطات، والاهم فيها كان اجتياح 1982، ونتائجه السياسية ودور جبهة المقاومة الوطنية والإسلامية، واجبار إسرائيل على الانسحاب عام 2000 بدون قيد او شرط.
وتوقف عند دور “المقاومة” وسلاحها الذي تحوّل، بحسب رأيه، من أداة مواجهة الاحتلال إلى أداة هيمنة داخلية مكّنت الحزب من التحكم بالقرار السياسي بدعم إيراني، مؤكداً أن معركة “المساندة” الأخيرة كانت كارثية على لبنان وفتحت الباب أمام إعادة احتلال مواقع جنوبية تحت غطاء اتفاق فرضته واشنطن.
وسأل طه عن جدوى استمرار السلاح إذا كان عاجزاً عن حماية لبنان، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تسعى إلى استقرار البلد بل إلى فرض وقائع جديدة من خلال شريط حدودي منزوع السلاح والسكان والسيطرة على المياه والمواقع الاستراتيجية.
وختم داعياً إلى عدم الارتهان للخارج أو تكرار أخطاء الماضي، بل إلى إعادة بناء عوامل القوة الوطنية الجامعة بعيداً عن الانقسامات الطائفية، مؤكداً أن “وطناً لا يبنيه أبناؤه لن يبنيه لهم الخارج”.