بقلم خلود وتار قاسم
لبنان الذي علّم العالم الحرف، وصدّر الأبجدية، وكان منارةً للكلمة والفكر… لبنان الذي لطالما تغنّينا بأنه صلة الوصل بين الشرق والغرب، ورسالة حضارة وسلام… هل ما زال واقعنا اليوم يعكس هذه الصورة المشرقة التي نحملها ونفاخر بها؟
الحقيقة مُرّة. فإذا ألقينا نظرة على شوارعنا، سنجدها مكتظة بأطفال يبيعون الورود أو يمدّون أيديهم طلبًا للفتات، بينما مكانهم الطبيعي هو مقاعد الدراسة لا أرصفة الطرقات. أي رسالة نُقدّمها للعالم حين يتحوّل طفلنا من تلميذٍ إلى متسوّل، ومن باحث عن المعرفة إلى ضحية جهل وإهمال؟
المسؤوليات كثيرة ومتشابكة: تبدأ من الأسرة التي تعجز عن تأمين أقساط التعليم، وتمر بالدولة الغائبة عن أبسط واجباتها الدستورية، ولا تنتهي عند المجتمع المدني الذي يرفع الشعارات أكثر مما يقدّم الحلول. كلّنا، بلا استثناء، مسؤولون عن هذا النزيف الأخلاقي والإنساني، لأن كل طفل مشرّد في الشارع هو مشروع خطر مستقبلي: مجرم، لص، ضحية دعارة، أو حتى إرهابي.
في الوقت الذي تفتخر فيه دول كثيرة بأنها بلغت نسبة أميّة صفر بالمئة، لا يزال لبنان الذي أعطى العالم الحرف يعاني من تمدّد ظاهرة الأمية وتسرّب الأطفال من المدارس. وهذا في ظل وضوح المواثيق الدولية، وعلى رأسها شرعة حقوق الإنسان، التي تنص على أن لكل طفل الحق في تعليم مجاني وإلزامي في مرحلتيه الابتدائية والمتوسطة. فأين دولتنا من هذه الالتزامات؟ وأين جمعياتنا ومؤسساتنا من العمل الجاد بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي؟
إن التعليم ليس ترفًا، بل هو درع يحمي أطفالنا من المخدرات، من الانحراف، من كل أنواع العنف والانجرار نحو الهلاك. بالعلم نصنع مواطنًا فاعلًا، ونبني إنسانًا حرًا قادرًا على مواجهة الحياة، بدل أن يتحوّل إلى رقم في جداول الفقر والإجرام.
ولأن موسم المدارس بات على الأبواب، فقد تبنّينا هدفًا واضحًا هذا العام: المساهمة، بما تيسّر لنا، في دفع أقساط عدد من التلاميذ في المدارس المتواضعة. خطوة صغيرة، لكنها بداية الطريق نحو تحمّل المسؤولية بشكل جماعي، علّنا نفتح باب أمل أمام هؤلاء الأطفال ونمنحهم حقّهم الطبيعي في التعليم.
فلنُدرك أن فتح مدرسة واحدة يعني إغلاق باب على سجن جديد، وأن الاستثمار في عقل طفلٍ واحد هو استثمار في مستقبل وطن بكامله. لم يعد هناك وقت للتردّد، فقد آن الأوان لننهض من كبوة اللامسوؤلية ونستعيد رسالتنا الحقيقية كلبنانيين.
إننا نناشد كل من لا يزال يؤمن بلبنان الثقافة والهوية والحرف أن يضع يده معنا، بالجهد والفكر والمال، في معركة التعليم… فهي المعركة الأقدس، وهي السبيل الوحيد للحفاظ على لبنان منارة للكلمة ورمزًا للإنسانية.
فبالإنسان وحده تُبنى الأوطان… وفقنا الله وإياكم لخدمة أطفالنا ومستقبلنا.