أكرّر : حبيبتي الدولة

بقلم عقل العويط

في الأيّام العجاف هذه، قد يكون من المفيد والواجب أنْ نتذكّر كتابًا ألمعيًّا بعنوانٍ ألمعيّ – “حبيبتي الدولة” – لشاعرٍ ألمعيّ من بلاد جبل عامل ونواحيها وضواحيها هو حبيبنا محمد العبدالله.

على أنّ التذكير بالكتاب وعنوانه وصاحبه، ليس على سبيل التفكهة أو السخرية العابثة أو الكيد، ولا على سبيل استذكار الشاعر فحسب، وهو يجب أنْ يُستذكَر دائمًا لجملةٍ من الأسباب الموجبة، الشعريّة وغير الشعريّة، ليس أقلّها أنّه نسيجُ وحده، وصيّادُ حالاتٍ ومشاعرَ وبروقٍ ومعانٍ وصوَرٍ و”حِكَمٍ”، ويقول كلمته بلا تهيّب، أيًّا تكن خطورتها.

وإنّما التذكير هو بغاية إشهار الكلمتَين – الحبيبة والدولة – إشهارًا بيّنًا وعلنيًّا وعاليًا وعلى رؤوس السطوح، وأينما كان، والآن، وهنا، وفي هذا التوقيت الحرِج والخطير، ويجدر أنْ يكون الإشهار مستكملًا عناصره وخصائصه، من مثل إماطة اللثام عن تاريخ إصدار الكتاب في عزّ الحرب اللبنانيّة المشؤومة في العام 1987، والاحتلال الإسرائيلي المشؤوم دائمًا، بما تحمله النصوص من شجون الحال، بمآسيها، ومجازرها، واحتلالاتها، وأوضاع العيش والاجتماع المزرية، وبالتناقضات التي تكتنف الدولة باعتبارها مهيضة الجناح، وساحةً، وواقعًا متعبًا ونازفًا ومعذّبًا ومنقسمًا ومتقاسَمًا ومشرذمًا ومتهاويًا، وباعتبارها ملجأً ومبتغًى وحلمًا ومستحيلًا في الآن نفسه.

ليس نافلًا في هذا السياق أنْ يكون مسقط الشاعر هو الخيام، وسجن الخيام، بما ينطوي عليه الانتماء هذا، من حقائق ودلالات، وأنّ البلدة المذكورة قد عانت ما عانته من الاحتلال، ومن غياب “حبيبتي الدولة”، ولا تزال تعاني، ولا بدّ أنّ الشاعر كان يعي (ويقصد) تمامًا، أوان اختيار عنوان كتابه هذا، كلّ ما يحتمله الاختيار هذا من مقاصد.

وإذا كان العبث الموجوع والمتهكّم ينزف من الكلمات والأسطر، فإنّه لا يندرج حكمًا في باب الاستهزاء من الدولة، ولا في التعالي عليها، ولا بهدف جلدها، وسحلها، وجرّها عاريةً في الشوارع، بل الأَولى أنّه استفظاعٌ لهوانها وضعفها، واستهوالٌ لغيابها، ومناداةٌ مستغيثةٌ بلزوم وجودها واستتبابها.

الألم الذي يعتري الحبيب جرّاء ما هي عليه الحبيبة – الدولة، هو الموضوع، وهو البطل.

الألم هذا، هو هو، سيّان أكان ناجمًا عن حبٍّ من طرفٍ واحد، هو طرف الشاعر، أو ناجمًا عن خيانة الحبيبة – الدولة، إهمالها، قسوتها، جورها، استبدادها، فسادها، وعدم سيادة عدالتها، وقانونها.

هو الألم ولا سواه، من جوانبه كافّةً، باعتباره خبزًا يوميًّا، وعيشًا، وبيتًا، وإقامةً، ووجودًا، ومستقبلًا، ومصيرًا. وتحفّ بهذا الألم، وتسير في ركابه، وفي صحبته ومعيّته، غابةٌ لجبةٌ من المرايا المكسورة والمجبولة بالدم والخيبات والمرارات، فكيف السبيل إلى الخلاص؟
هذا الحبّ الأليم، الذي هو جلجلةُ عذابٍ ومهانة، سرعان ما يفصح محمد العبدالله عمّا يريد منه: إذا كانت “الدولة هي المشكلة” فـ”هي الحلّ”، و”هي رهاننا الوحيد مهما كان ضعيفًا”.

هذا ما يقصده محمّد العبدالله، وهو حبيبي حقًّا. وما أنا بدولة.

وفي هذا وغيره، لن يخرج محمّد العبدالله على الدولة، لن يستقوي عليها بخارج، ولا بسلاح، لن يدعو إلى التغلّب عليها، لن يعاملها كجارية، كعاهرة، لن يهينها، لن يذلّها، لن يسقط في الغواية، لن يغتنم الفرصة السانحة، ولا أيّ فرصة، للانقضاض عليها، لامتطائها، لاغتصابها، للتناوب الداعر عليها، أو للحلول محلّها.

وهي رسالة إلى الجميع، ومَن يعنيهم الأمر، في جبل عامل ونواحيه وضواحيه، ورمزيّاته ودلالاته. وأكرّر: حبيبتي هي الدولة.

اخترنا لك