العدالة الانتقائية في لبنان… من يجرؤ على تصحيح الكفّة؟

بقلم ميراز الجندي – كاتب ومحلل سياسي

في لبنان، لم تعد العدالة سلطة مستقلة ولا ضامنة للحق، بل تحوّلت إلى أداة طيّعة في يد التحالف السياسي-الطائفي، تُحرّكها الحسابات الانتخابية حينًا، والتسويات الرخيصة أحيانًا، حتى بات الحديث عن “العدالة” في وجدان الناس يثير السخرية المريرة لا الاطمئنان.

إن المفارقة التي يعيشها اللبنانيون يوميًا لا تحتاج إلى نظريات قانونية معقّدة: من يسرق مئات ملايين الدولارات من المال العام، يُحبس أشهراً معدودة، يخرج بكفالة مدفوعة من جيوب مجهولة أو معروفة، ويُستقبل بعد خروجه كـ”منتصر”. في المقابل، يُسجن شابٌ عشر سنوات لأنه عبّر عن رأي، أو شارك في منشور تضامني، أو حُمّل على هاتفه صورة لشيخ معارض أو لمجزرة في سوريا.

والأدهى، أن يُطرح قانون “عفو عام” يشمل الجميع: من المظلوم إلى تاجر المخدرات، من المعارض السلمي إلى القاتل المتسلسل، كلهم تحت شعار “المصالحة الوطنية”؛ مصالحة مع من؟ وعلى حساب من؟ وهل يُعقل أن تُساوى دماء ضحايا الإجرام بحقوق من سُجنوا ظلمًا؟

العفو ليس عدالة، بل تكريس للظلم

ما يُسمى بقانون العفو العام المطروح ليس إلا مناورة انتخابية تمسّ هيبة القضاء وحق الضحية في الإنصاف. إنه محاولة لتبييض ماضٍ أسود من الفساد، ولشراء ولاءات انتخابية في مناطق محكومة بالحرمان والغضب، يُطلب من أهلها التصويت مقابل إخراج أقربائهم من السجون، من دون أن يسأل أحد: لماذا سُجنوا أصلًا؟ وهل كانوا أبرياء أم مجرمين؟

وفي غياب أي نيّة جدّية لمراجعة أخطاء القضاء أو إصلاح النظام الجزائي، يصبح العفو غطاءً لتجّار النفوذ، وفرصة للسياسيين لتسجيل نقاط لا يستحقونها على حساب آلام الضحايا.

أين التعويض؟ أين الاعتذار؟

من سُجن ظلمًا، وخرج بريئًا، لا يحصل على تعويض. لا أحد يعتذر منه، لا الدولة ولا القضاء. يُرمى إلى الشارع كأن السنوات التي خسرها من عمره لا تعني أحدًا. وهذا بحد ذاته فضيحة قضائية وإنسانية في بلد يدّعي حماية الحريات.

أما من سرق المال العام أو شارك في شبكات الفساد، فغالبًا ما يخرج من السجن ليرشح نفسه من جديد، ويُعاد انتخابه من قِبل جمهور يائس أو مأخوذ بثقافة الزعامة الخادعة.

العدالة ليست شعارًا، بل فعل سياسي وأخلاقي

إن إصلاح المسار لا يتم بالعفو العام، بل بالمحاسبة الفعلية. أول خطوة في استعادة الثقة بالقضاء هي في إعادة فتح ملفات الموقوفين ظلمًا، وإصدار قانون “إنصاف الأبرياء”، يضمن لهم جبر الضرر والتعويض الكامل، ويُحمّل من تسبب بسجنهم مسؤولية إدارية وقانونية.

أما قانون العفو العام، فلا يجب أن يُقرّ بصيغته الحالية، لأنه لا يحقق عدالة، بل يدفنها، ويُكرّس اللامساواة القانونية. وإذا كان لا بد من تسوية، فلتكن على أساس الحق، لا على قاعدة توازن القوى.

ختامًا، في بلد تتهاوى فيه مؤسسات الدولة، تبقى العدالة، حتى ولو مشروخة، الملاذ الأخير للشعب. لكن حين تتحوّل هي نفسها إلى وسيلة للانتقام أو المساومة، فإننا نكون أمام خطر وجودي لا مؤسساتي فقط.

لو كنت نائبًا، لما صوّتُّ على قانون يعفو عن الظالم، بل على قانون يُنصف من ظُلم. ولأطلقت معركة حقيقية من أجل القضاء العادل، لا القضاء التابع.

اخترنا لك