وهم المقاومة : “حزب الله” بين سقوط الردع وحقيقة المشروع الأميركي

بقلم نانسي اللقيس

لم يعد بمقدور “حزب الله” أن يختبئ وراء شعارات “الممانعة” ولا أن يتلطّى بشعار “المقاومة” الذي استُهلك حتى التلاشي. فالمعادلة التي روّج لها طيلة عقود الردع في مواجهة إسرائيل سقطت سقوطاً مدوّياً في الميدان قبل الإعلام والسياسة، ولم يبقَ منها سوى وهمٌ يتغذّى على خطابٍ شعبويٍ مأزوم. فحربه الأخيرة على إسرائيل لم تُنتج سوى انكسار إضافي للبنان، وحربه المفتوحة على الداخل اللبناني تهدّد بتحويل الوطن إلى رهينة دائمة لمشروع لا علاقة له لا بالمصلحة الوطنية ولا بالعدالة التاريخية.

تجلّت الحقيقة القاسية في أنّ الولايات المتحدة باتت الطرف الوحيد القادر على صياغة أفق الحلّ، بعدما استنفدت القوى الإقليمية، وفي مقدّمها إيران، أوراقها ومناوراتها. فإيران الغارقة في أزماتها الاقتصادية والسياسية، والساعية بأي ثمن إلى إنعاش مفاوضات برنامجها النووي، لم تعُد قادرة على جعل “الحزب” ورقة ابتزاز دائمة في مواجهة واشنطن أو تل أبيب. وبذلك، يُترك “حزب الله” عارياً من أي غطاء استراتيجي حقيقي، فلا هو قادر على فرض شروطه على إسرائيل، ولا هو قادر على ترجمة تهديداته ضد الدولة اللبنانية من دون أن يرتدّ عليه الخراب والانعزال.

إنّ السقوط المفصلي الذي يعيشه “الحزب” اليوم ليس عسكرياً فحسب، بل فلسفياً وسياسياً أيضاً. إذ لم يعُد سلاحه يحاكي أي معنى للسيادة، بل تحوّل إلى نقيضها المباشر، وإلى قيد يطوّق عنق الدولة. ولم يعُد بمقدوره أن يقدّم نفسه قوة ردع أمام إسرائيل، لأنّ التجربة الأخيرة أثبتت أنّ التهديدات الجوفاء لا تصنع ميزان قوى، وأنّ ما يفتقر إلى الشرعية الدولية والوطنية معاً محكوم بالسقوط، ولو استند إلى فائض قوة ظرفي.

المشروع الأميركي في لبنان لا يقوم على “بازار” تفاوضي بين شروط إسرائيل وبقاء سلاح “الحزب”، بل على قاعدة واضحة، لا إمكانية لإنقاذ لبنان ما دام السلاح خارج يد الدولة، ولا إمكانية لقيام دولة طالما هناك كيان عسكري موازٍ يفرض منطقه الخاص ويستنزف المجتمع. هنا تتكشف الحقيقة التي يرفض “الحزب” مواجهتها. إنّ معركته لم تعُد مع إسرائيل وحدها، بل مع منطق الدولة نفسه، ومع مفهوم الاجتماع السياسي الحديث الذي يُلغي الازدواجيات والولاءات المتشظّية.

بهذا المعنى، يصبح استمرار “الحزب” في التشدد خياراً انتحارياً، لا يهدّد فقط التوازن اللبناني الداخلي، بل يجرّ معه حلفاءه وبيئته إلى عزلة تتسع يوماً بعد يوم. وليس أوضح من أنّ خطاب “النصر” الذي يروّجه لم يعد يجد جمهوراً إلا داخل حلقة ضيقة مأزومة، فيما الرأي العام اللبناني والعربي والدولي يتعامل معه كعائق وجودي أمام أي نهضة.

لقد انتهى زمن الشعارات. ما بقي هو السؤال البديهي، هل يجرؤ “حزب الله” على مواجهة لحظة الحقيقة، والتخلّي عن وهم السلاح، أم أنّه ماضٍ إلى نهايته في لعبة مكابرة لا تنتج سوى انتحار بطيء؟

اخترنا لك