من بندقية “قضية” إلى “بندقية للإيجار” إلى “بندقية للتسليم”

بقلم جان الفغالي

أصاب الكاتب الإنكليزي “باتريك سيل”، المتخصّص في شؤون الشرق الأوسط، حين وضع كتابه عن صبري البنَّا، المعروف بـ “أبو نضال”، تحت عنوان “أبو نضال- بندقية للإيجار”، في هذا الكتاب الذي لقي رواجًا واسعًا، كشف “سيل” كيف تغلغل الموساد الإسرائيلي في المنظمات الفلسطينية، وكيف كان يقوم بتوجيه منظمة “أبو نضال” الذي نجح في معظم عملياته.

أردتُ أن أبدأ بالاستشهاد بمنظمة “أبو نضال”، كاستهلال لكيفية تحوُّل بندقية المنظمات الفلسطينية من “بندقية قضية” إلى “بندقية للإيجار” من قِبَل معظم الأنظمة، فتحوَّلت هذه البندقية إلى عبء على “القضية الفلسطينية”، وكما كان يقال إن “الثورة تأكل أبناءها”، هكذا أصبحت “البندقية عبئًا على أبنائها”.

جميع المنظمات الفلسطينية وُلِدَت من رحم منظمة التحرير الفلسطينية وانشقَّت عنها، وكان كلّ فصيل، أو أكثر، يتبع لدولة، أو أكثر، وكانت لسوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد، “حصة الأسد” في “تفريخ” المنظمات الموالية لها، ومن أبرزها:

“منظمة الصاعقة” بقيادة زهير محسن، الذي اغتيل عام 1979، وتحت اسم “الصاعقة” اجتاحت القوات السورية بلدة الدامور في كانون الثاني من العام 1976.

“فتح الانتفاضة” التي انشقّت عن حركة فتح عام 1983، بدعم من سوريا وكانت بقيادة العقيد “أبو موسى”.

الجبهة الشعبية – القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل، وكانت تنفّذ “أوامر العمليات السورية”، وكان لها دورٌ أساسي في حرب الجبل عام 1983، وكان مقاتلوها من الذين اقتحموا بلدة بحمدون.

حركة “حماس” التي انقلبت على منظمة التحرير وسيطرت على قطاع غزة، وكانت إحدى كبرى المنظمات التي تتبع مباشرة لإيران.

معظم المنظمات الآنفة الذِكر، لم تكن “أجندتها” السياسية والعسكرية تتبع للسلطة الفلسطينية، بل للدول التي أوجدتها ولا سيّما سوريا أيام الأسد، والجمهورية الإيرانية، وبعد سقوط الأسد أصبحت معظم المنظمات تأتمر بأوامر الجمهورية الإسلامية.

طوال مسارها العسكري والأمني، كانت تلك المنظمات تنفِّذ أوامر عسكرية إيرانية أو سورية، وكانت تقفز فوق السلطات اللبنانية، وكانت معظم المخيّمات الفلسطينية، ولا سيّما مخيم “عين الحلوة”، ملاذًا للمطلوبين والإرهابيين، ففي مخيّم “عين الحلوة” توارى قتلة القضاة الأربعة الذين قتلوا على قوس المحكمة في صيدا.

وشهيرة قضية مخيّم “نهر البارد” الذي سقط بيد الجيش اللبناني بعد معارك دامت أكثر من ستة أشهر بين الجيش اللبناني و “فتح الإسلام” بقيادة شاكر العبسي الذي استطاع الفرار وتوارى في سوريا، ويذكر أن العبسي كان مرتبطًا بالمخابرات السورية.

اليوم، حين اتخذت السلطة اللبنانية، بقيادة الرئيس جوزاف عون القرار بجمع السلاح الفلسطيني ووضعه بيد الدولة اللبنانية، فهذا يعني أنها اتخذت القرار التاريخي الذي تأجّل اتخاذه منذ نصف قرن. ألغي “اتفاق القاهرة” ولم يُسحَب السلاح الفلسطيني، دخلت إسرائيل عامي 1978 و 1982، بحجّة السلاح الفلسطيني.

اليوم القرار التاريخيّ اتُخِذ، والبعض ما زال يشكّك! فما المطلوب؟ أن يبقى السلاح الفلسطيني ليشكِّل “المتراس” لسلاح “حزب اللّه”؟

كانت “بندقية قضية”، تحوَّلت إلى “بندقية للإيجار”، حان الوقت لتصبح “بندقية للتسليم”.

اخترنا لك