بقلم كارلو جوليان
في الخطاب الصحفي الأخير للمبعوث الأمريكي، تتسلل المشاعر والقلق والآليات الدفاعية كما يتسلل المعنى بين السطور. المؤتمر الصحفي الذي عقده براك يصلح نموذجاً لهذه القراءة، حيث يتضح أن الكلمات التي اختارها لم تكن مجرد عبارات سياسية مكررة، بل مؤشرات على صراع داخلي بين ضغط المسؤولية وهاجس فقدان السيطرة.
منذ البداية، بدا أن المبعوث يحاول الإمساك بخيط واقعي صلب، عندما تحدث عن التمويل والدعم الخارجي: “يجب أن يكون لدينا أموال تدخل النظام. الأموال ستأتي من الخليج.” هذه الجملة لم تكن مجرد تصريح مالي، بل آلية لتهدئة قلق داخلي. ففي لحظة يشعر فيها المرء أن المبادرة قد تبدو هشّة، يتم اللجوء إلى الأرقام والوعود المالية كوسيلة لترسيخ الواقعية وإبعاد شبح الانهيار. على المستوى السياسي، كان في ذلك أيضاً رسالة واضحة بأن الضمانة لا تأتي من الداخل اللبناني وحده ، بل من مظلة إقليمية داعمة.
لكن سرعان ما انتقل إلى تحميل الشركاء الخليجيين دوراً محورياً، مؤكداً أن قطر والسعودية مستعدتان للقيام بواجباتهما في الجنوب إذا قَبِل جزء من اللبنانيين بالتضحية. هنا يتبدى بوضوح أن براك ومن يمثل لا يريد أن يحمل وزر الخطة وحده، بل يحاول توزيع العبء النفسي والسياسي: الخارج يموّل، والداخل يضحّي. هذه المعادلة تحمي صورة الحياد وتجعله أقرب إلى الوسيط منها إلى المسؤول المباشر.
غير أن التوتر الأكبر ظهر حين تطرق إلى البعد الأمني، قائلاً: “لدينا 40,000 شخص يتم دفعهم من إيران للقتال… ماذا ستفعل معهم؟ تأخذ سلاحهم وتقول ‘حظاً سعيداً في زراعة الزيتون’؟” نبرة الغضب هنا لم تكن تقنية بقدر ما كانت انعكاساً لإحباط دفين. بدا وكأنه يصرخ: “لا أملك العصا السحرية!” فعلى المستوى النفسي، هذا انكشاف للحيرة، أما سياسياً فهو استخدام لصورة قاتمة عن التهديد بغية تبرير الحاجة إلى تدخل دولي أوسع.
ولمواجهة هذا التوتر، حاول براك سريعاً الانتقال إلى خطاب أكثر إيجابية، متحدثاً عن إنشاء منتدى اقتصادي يجمع الولايات المتحدة والخليج واللبنانيين معاً. هنا نراه يحاول إعادة ضبط إيقاع حديثه، محولاً لغة التهديد إلى لغة تعاون. وكأن التحليل النفسي يقول: بعد مواجهة الصراع الأمني العصيّ، لجأ إلى خطاب وحدوي يخفف من وطأة الضغط ويعيد بناء صورة التفاؤل.
إلا أن لحظة الانفعال الكبرى جاءت عندما فقد أعصابه أمام الصحفيين، قائلاً: “التزموا الهدوء… إذا بدأ هذا يصبح فوضوياً، مثل الحيوانات، سنمون مضطرين للانسحاب.” هنا تتجلى بوضوح آليات الدفاع: إسقاط مشاعر الارتباك على الإعلاميين، عدوانية دفاعية لتغطية هشاشة اللحظة، بل وحتى هروب رمزي عبر التهديد بالمغادرة. هذه العبارات لم تكن مجرد ردٍّ على سؤال صعب، بل كانت محاولة يائسة لاستعادة السيطرة عبر التهديد. على المستوى السياسي، تحوّل الصحفيون في تلك اللحظة إلى وسيلة ضغط على القوى اللبنانية، في رسالة تقول: “انضبطوا وإلا انسحبنا.”
لكن المسرح لا يكتمل إلا بلحظة الاستدراك. بعد هذا الانفعال، عاد براك ليقول: “الوضع هنا أصبح يشبه المنطقة، وعلينا التعامل كحضاريين.” هذه الجملة تحمل وظيفة مزدوجة: على المستوى النفسي، هي محاولة لتصحيح الانطباع بعد الانفجار الانفعالي، وإعادة بناء صورة المتحكم بنفسه. أما على المستوى السياسي، فهي استعادة للهيمنة الرمزية، إذ يذكّر اللبنانيين بأن عليهم الانضباط، ويذكّر الخارج بأن الدبلوماسية لا تزال الإطار الحاكم.
هكذا، ومن خلال تسلسل عباراته، يمكن تتبع ديناميكية انفعالية واضحة: ضغط المسؤولية يولّد تركيزاً على الحقائق المالية، مواجهة الأسئلة الصعبة تفضي إلى تحذيرات وإسقاطات، فقدان السيطرة يؤدي إلى عدوانية دفاعية وهروب رمزي وبناء مخرج آمن له ولمرافقته من خلال استبعاد المصلحة الشخصية، ثم تأتي لحظة إعادة الضبط لاستعادة الهيبة. إنها دورة كاملة تكشف أن براك لم يكن يتحدث فقط عن التمويل والخطط، بل كان يصارع داخلياً بين القلق على فقدان السيطرة والرغبة في الحفاظ على المصداقية.
وبالنهاية، يظهر خطابه كمزيج متناقض: وعد بالاستقرار من جهة، وارتباك يفضحه اللاشعور من جهة أخرى. إنه نموذج كلاسيكي لمبعوث دولي يحمّل لسانه أكثر مما يحتمل، فيسقط توتره في العلن، ثم يسعى بسرعة إلى إعادة ترميم صورته. إن القراءة النفسية المدعومة بالدلائل تجعلنا نرى براك لا كصوت السياسة وحدها، بل كصوت قلق متوتر يحاول أن يغطي هشاشته بالدبلوماسية الضعيفة التي لا يتقن اساسياتها.
كل هذا يثبت أن الإخراج لا زال غير محكماً نظراً للتخبطات البينية للقوى المبادرة.