من جورج عبدالله إلى هانيبال القذافي… والعدالة المشوّهة

"حزب الله" ونبيه بري : تحالف الثأر والفساد يختطف العدالة في لبنان

بقلم بلال مهدي

فرنسا التي وُجّهت إليها لعقود انتقادات لاذعة لأنها احتجزت المناضل جورج عبد الله، رغم صدور قرار بالإفراج عنه، وُصفت بأنها دولة تضرب عرض الحائط بحقوق الإنسان وتخضع لحسابات سياسية وانتقامية. اليوم، المفارقة الصادمة تظهر في لبنان، حيث يقبع هانيبال القذافي منذ عشر سنوات في معتقل تحت الأرض، بقرار شخصي من نبيه بري، فقط لأنه ابن معمر القذافي.

جريمة اختطاف الإمام موسى الصدر مضى عليها ٤٧ عاماً، وكان هانيبال حينها طفلاً في الثالثة من عمره، لا يعرف شيئاً عن السياسة ولا يتحمّل وزر أفعال والده. لكن لبنان الذي يرفع شعار العدالة والحرية، يسمح لرئيس مجلس النواب أن يحوّل القانون إلى أداة للانتقام، فيحتجز رجلاً بريئاً كرهينة سياسية، في ملف يدار بعقلية ثأر عشائري لا بمنطق دولة ومؤسسات.

الذين صرخوا ضد فرنسا واتهموها بانتهاك حقوق الإنسان، يلوذون اليوم بالصمت تجاه أكبر انتهاك يجري على أرضهم. أي مصداقية تبقى لمن يتهم فرنسا بالجور، بينما يقبل أن يتحول لبنان إلى معتقل تديره ميليشيا سياسية باسم الطائفة؟ كيف يمكن لمن رفع راية “المظلومية” أن يسكت عن سجن إنسان لمجرد نسبه العائلي؟

القضية لم تعد قضية هانيبال القذافي وحده، بل قضية عدالة مشوهة ودولة مختطفة. لبنان اليوم يعيد إنتاج ما اتهم فرنسا به، وربما أسوأ، لأنه في فرنسا يبقى القضاء صاحب القرار، أما في لبنان فيكفي أن يقرر نبيه بري ليُدفن شخص حي في زنازين مظلمة بلا محاكمة عادلة ولا منطق قانوني.

الحرية التي انتُزعت لجورج عبد الله بعد سنوات من الظلم، تتحول في لبنان إلى كابوس دائم لهانيبال القذافي. فرنسا على كل قسوتها بقيت دولة، أما لبنان، تحت قبضة بري و”حزب الله”، صار أسير عقلية انتقامية جعلت العدالة أضحوكة وحقوق الإنسان شعاراً أجوف.

المنظومة الحاكمة في لبنان لم تعد تتقن سوى لعبة استثمار القضايا والشعارات الفارغة. “حزب الله” ونبيه بري، حليفان في حماية الفساد وتهريب الصفقات، يقدمان الدليل تلو الآخر على أن ما يوحدهما هو تقاسم الغنائم على حساب الدولة والشعب المنهوب.

غدًا سيطل نبيه بري في الذكرى الـ٤٧ لاختفاء الإمام السيد موسى الصدر، ليكرر على مسامع اللبنانيين الخطاب ذاته والوعود نفسها التي استهلكها منذ عقود. ليبيا تحررت من حكم القذافي، ومع ذلك لا يزال بري يصرّ على مقولة أن الإمام مسجون في أحد الأقبية، وكأن هذه الرواية يمكن ابتلاعها بعد مرور ٤٧ عامًا. الإمام، لو كان حيًّا، قد بلغ اليوم الـ٩٧ من العمر، فمن يصدّق فعلًا أن هناك أملًا بعودته سالمًا في هذا العمر؟

الحقيقة الوحيدة أن نبيه بري لا يعيش إلا على هذه القضية، يتغذى منها سياسيًا، ويعيد تدويرها كل عام كذريعة لإطالة عمره السياسي. أما “حزب الله”، فشريك كامل في هذه المسرحية، يمنح بري غطاءً متبادلًا ليبقى الطرفان ممسكان برقاب اللبنانيين، يعطّلان الدولة، ويبتلعان مؤسساتها باسم القضايا الكبرى والمقاومة المزعومة.

٤٧ عامًا من الأكاذيب، من المزايدات، ومن الخداع الممنهج لشعب أنهكته الأزمات. لم يعد خافيًا أن تحالف “حزب الله” – بري هو تحالف الفساد مع السلاح، لا تحالف القيم ولا القضايا. والشعارات التي يرفعونها ليست سوى ستار دخاني لتغطية نهبهم، بينما الحقيقة الساطعة هي أن لبنان أسير هذه العصابة المنظمة التي تتغذى على معاناة شعبه.

اخترنا لك