“#الإخوان_المسلمون” والتخندق مع “الحزب” ضد #أحمد_الشرع
إعادة إنتاج الهوية الأموية في مواجهة قدسية فلسطين
إعادة إنتاج الهوية الأموية في مواجهة قدسية فلسطين
–
بقلم سامر زريق
حظيت المواقف التي أطلقها الرئيس السوري أحمد الشرع إبان لقائه وفدًا إعلاميًا، يضم رؤساء تحرير ومدراء وسائل إعلامية إقليمية بارزة، بتأثير لافت في الفضاء الإعلامي، ولا سيما تلك المتعلقة بلبنان، وجدلية كونه لا يشكل امتدادًا للإخوان المسلمين.
من يتابع ما قيل وكتب، يمكنه أن يتبيّن وجود إصرار على تلبيس الرجل هويات مركبة، يتساوق من زوايا مختلفة على احتكار الذاكرة العامة لإرساء مناخات مضللة. بالاستناد إلى ما قاله المفكر المغربي محمد عابد الجابري حول أهمية التدوين، أي بدء التأريخ، وكيفية تحويل ما تلقم به الذاكرة إلى بضاعة سياسية، فإن “حزب الله” يسعى إلى إبقاء الجمهور، وخصوصًا حاضنته، أسير صورة نمطية ضيقة للشرع، ترتكز على لحظة الظهور الأولى له كفاعل سياسي.
يستفيد “الحزب” من نفوذه في صياغة السردية التي تقدم للرأي العام، للتحكم في توجيه النقاشات والانفعالات وجعل اسم الشرع يقترن بقطع الرؤوس وغيرها من سمات الجماعات التكفيرية، وتجاهل كل التحولات التي أقدم عليها بجسارة. فيما يتجاوز النقاش أن “الحزب” نفسه يعتنق أيديولوجيا تكفيرية تتعامل مع الجغرافيا باستخفاف ينطلق من مفهوم تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية وقيمها الولائية المتطرفة، وتشتمل على إصدار الإمام الخميني فتوى تبيح العمليات الانتحارية، استند إليها عماد مغنية في عملياته، والتقطتها الحركات السنيّة في ما بعد، في حين أن الأزهر الشريف أصدر فتوى في التسعينات بتحريمها.
هذه الأيديولوجيا التكفيرية لا يسعها تحمّل أي اختلاف شيعي، مدنيًا كان أم دينيًا، مثلما يتبدى مؤخرًا في التهجم على السيد محمد حسين فضل الله وإرثه، والاعتداء على الشيخ ياسر عودة، بموازاة خطاب مشحون يوارب حول فكرة المقاومة عملية تجريد الهويات العائلية والمجتمعية، كما هي الحال مع سلسلة لا تنتهي من المثقفين الشيعة.
في حين أن الشرع هو أول جهادي يصوغ مشروعًا واقعيًا مرنًا، يعترف بالحدود الجغرافية للكيان الوطني، ويبتعد عن الأممية التي تنشّأت عليها تيارات الإسلام السياسي، السنية والشيعية، وتأثرها بالقومية العربية التي كان يرفع لواءها جمال عبد الناصر والأحزاب الوحدوية.
وبالمقارنة نجد أن الشرع أكثر التزامًا بوطنيته بما لا يقاس مع “الحزب” الذي ما انفك عن التحريض عليه، بشراكة مضمرة مع “الإخوان المسلمين” المضطرين إلى التخندق معه. ذلك أن صعود هذه الجماعة وتمددها ارتبط بالقضية الفلسطينية، حيث نجحت في بناء خطاب أممي يرتكز على قدسية هذه القضية في المفهوم الإسلامي لاستقطاب الشرائح المحافظة، والتأثير في المجتمعين العربي والإسلامي، وظفته لمعارضة الدول وأنظمة الحكم.
تجد جماعة “الإخوان المسلمين” نفسها أمام خطر داهم يمثله أحمد الشرع، لكونه أول حاكم في الدول العربية غير الخليجية ينتمي إلى تيار إسلامي فكري تجمعها خصومة عريقة معه. ونجاحه في ترسيخ حكمه وفق الأسس الواقعية التي يعمل عليها، ومنها ترسيم حدود علاقة معينة مع إسرائيل، سواء باتفاق سلام أو تفاهمات أمنية، يحظى بتأييد طبقة واسعة من رجال الدين، يصيبها في مقتل، لكونه يسهم في تقويض تأثير خطاب فلسطين في الحاضنة الإسلامية المحافظة الأوسع. وهذا ما يمكن تلمسه في انجراف بعض الأصوات المعروفة بميولها الإخوانية إلى ممارسة التحريض الناعم ضد حكم أحمد الشرع، خصوصًا غداة تمكنه من استقطاب شخصيات وقيادات إخوانية بشكل إفرادي إلى جانبه.
في المقابل، لم تكن السعودية لتندفع نحو الاستثمار في نظام الحكم الجديد، إلا ضمن استراتيجية مؤسسية توظف فيها مجموعة واسعة من العناصر السياسية والثقافية الناعمة، تدعم مأسسة هوية جديدة في المنطقة تنطلق من سوريا. تندرج ضمنها زيارة الوفد الإعلامي، الرامية إلى رفد الخطاب السياسي للشرع بعناصر احترافية تعينه على تجسير الفجوة مع النخب والجمهور، والتي لا يمكن للمؤثرين رتقها. وتتصل بالموقف السعودي الصادر عن مجلس الوزراء بالرفض القاطع لأي دعوات انفصالية لتقسيم سوريا، وبخطوة قد تبدو فرعية، إلا أنها في صلب عملية صياغة الهوية، وتتمثل بالإعلان عن عمل درامي يتناول سيرة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.
بالتوازي مع مقال شديد الأهمية للكاتب أحمد موفق زيدان، المعين حديثًا مستشارًا إعلاميًا للشرع، وفي موقع “الجزيرة” بالذات، يطالب فيه جماعة “الإخوان المسلمين” في سوريا بحلّ نفسها، وهو الذي كان ينتمي إليها، لتسهيل عملية قيام الدولة، في تجسيد لمفهوم ابن خلدون بأن “الدولة تحيا بعصبية واحدة، فإذا نازعتها أخرى كان ذلك بداية فنائها”.
في ظل الحالة التي وصلت إليها المنطقة تحت تأثير تيارات الإسلام السياسي الأممية وفكرها الضيق ورؤاها المتصلبة، تمسي الحاجة إلى إعادة تدوير الخطاب ومأسسته وفق قواعد تجمع بين روح العصر وآلياته والحمولة التاريخية للإرث الأموي، بما يتجاوز مسألة “كربلاء” ويقترن بثقافة الدولة وقيمها. فالدولة الأموية هي الدولة الإسلامية الوحيدة تقريباً التي أوجدت توازنًا عمليًا بين عنصري العروبة والإسلام، وعبد الملك بالذات، الذي يعد المؤسس الثاني، برع في استخدام السياسة والمزج بين المواجهات والاتفاقيات الموقتة لاحتواء ثورات وتفكيك خصوم أقوياء، وحوّل الخلافة إلى دولة مركزية مؤسسية، وصاغ هوية حضارية متكاملة.