بقلم د. طلال خواجه
دائمًا اعود الى محاولة تظهير الشطارات او الشيطنات التي تقوم بها بعض المصارف، خصوصا في تطبيق التعاميم. وطبعا اقوم بذلك كناشط و ليس كاختصاصي بعد ان اعد نفسي مرارا بترك الخبز للخباز. و كما الخبز هو عماد الامن الغذائي فإن الودائع هي عماد الامن الاقتصادي.
هناك بعض العوامل و المؤشرات تدفعنا الى الاهتمام من جديد، و أهمها:
١- وجود عهد جديد و حكومة جدية اخذت قرارا سياسيا شجاعا بتفسير دستوري لحصرية السلاح و العمل على تنفيذه و بسط سيادة الدولة على كامل اراضي الوطن بقواها الشرعية، وهي خطوة اولى ولكن اساسية في اعادة بناء الدولة. علما ان الحكومة تسير بصعوبة بالغة بين أفخاخ الطبقة السياسية الفاسدة والمتعودة على المحاصصة والزبائنية و التي تشمل معظم السبكترام السياسي الطائفي.
٢- وجود حاكم جديد و مجلس مركزي و هيئة مصرفية و لجنة رقابة جديدة و ما الى ذلك من استكمال العدة النقدية والمالية، خصوصا مع وجود وزير مالية نشيط و ذو خبرة.
٣- اقرار بعض القوانين المالية والمصرفية الاصلاحية و بدء العمل على انجاز قانون الفجوة المالية و هو بيت القصيد في هذه الملحمة المفتوحة منذ انفجار الازمة في ١٧/١٠/٢٠١٩ التي فجرت انتفاضة الغضب.
٤- ظهور المزيد من المظالم والخزعبلات التي يتعرض لها المودعون، خصوصا في تطبيق التعاميم وتعديلاتها، كما في استمرار الدولار المصرفي ب ١٥٠٠٠ رغم الغاء التعميم ١٥١ في اواخر ٢٠٢٣ و رغم تصريح وزير المالية منذ استلامه الوزارة والذي قال فيه بأن الدولار المصرفي يجب ان يتبع السوق و إن بسقف لا يتجاوز المسموح به بالليرة احتواء للتضخم. ويبدو ان سعادته بلع تصريحه المبكر، كما فعلها الرئيس ميقاتي مرارا من قبله.
٥- استمرار حرمان الجمعيات (و طبعا النقابات و..) من الافادة من تعميمي ١٥٨ و١٦٦ و اثر ذلك على الجمعيات المدنية المستقلة.
لن نعود لما اسميته سابقا بجماعة الكوكلاس كلان المصرفية حين اغلقت المصارف ابوابها و عملت السبعة و ذمتها بالتحويلات السوداء والتوجهات الرمادية والارجح بالتناغم مع رياض سلامة و مع طبقة سياسية مافيوية، كانت متواطئة او مستقوية بفائض قوة ميليشيا حزب الله.
ما ينبغي قوله هو ان الاصوات التي تقول ان هذه التحويلات شرعية ولكن غير اخلاقية هي اصوات اما ساذجة او متواطئة و مستفيدة، علما ان هذه التحويلات استمرت طويلا، و ربما ما زالت مستمرة.
و لن نكرر سيرة صيرفة و الدعم المخادع و قضية استيفاء ديون البنوك بدولار ١٥٠٠ و تجارة الشيكات، و قد قيل في ذلك اكثر مما قاله مالك في الخمرة، الا انه لا يجب ان نقبل “بعفا الله عن ما مضى”، اذا اردنا استعادة الثقة بالدولة و بالقطاع المصرفي.
و رغم ان جميع تعاميم المصرف المركزي خضعت للتشريح الدستوري و المالي والمصرفي والنقدي وسال فيها حبر كثير، الا أنها ما تزال سارية، خصوصا الفريش الذي حيد حسابات الاموال الجديدة ولكن حول المصارف لخزائن و لشركات مالية، و التعميم ١٥١ الذي شرع الهيركات.
اما ملك التعاميم فهو التعميم ١٥٨ الذي صدر في حزيران ٢٠٢١ اي بعد حوالي سنة و ٨ اشهر من انتهاء اجتماع العصابة في ٣١/١٠/٢٠١٩، علما انه اعتمد هذا التاريخ الاسود فاصلا بين نوعين من الودائع الدولارية.
الودائع الدولارية المكونة قبل ٣١/١٠/٢٠١٩ والتي أخضعت لشروط كي “تتأهل” بعد ان تنزل منها مجموعة من المبالغ اهمها: المبالغ المقبوضة نقدا بالعملة الاجنبية بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ والمبالغ الدولارية المحولة للخارج او محليا بواسطة مراسل بعد هذا التاريخ وما الى ذلك. وعلى ان لا تحتسب مجموعة من المبالغ الدولارية، اهمها المحولة بعد هذا التاريخ من الليرة للدولار.
فتح التعميم ١٥٨ الذي بدأ ب٨٠٠$( ٤٠٠$ كاش+٤٠٠ تصرف على ١٢٠٠٠،و هو الآن ٨٠٠$ نقدي)صندوق باندورا، خصوصا انه خلال المدة الطويلة الفاصلة بين ٣١/١٠/٢٠١٩ وصدور التعميم حصلت عمليات مصرفية اضطرارية بحكم التعثر، خصوصا بالنسبة للذين عندهم ودائع دولارية من الزمنين، و منهم من اضطر عند استحقاق وديعة النوع الاول قبل صدور ١٥٨ ان يوزع الوديعة او بعضها ضمن نفس المصرف لاقارب او لمصرف آخر بسبب الارباك الناتج عن التعثر، كما الطبيعة التقنية لبعض الحسابات. علما ان التعميم رمى حجرة في المياه الراكدة.
هكذا ارسى رياض سلامة نظرية الوديعة المؤهلة و الوديعة الغير المؤهلة، جاعلا من نفسه حكما وقاضيا في اهلية التحويلات من الليرة التي قام بها المودعون بعد ٣١/١٠/٢٠١٩ وقبل اعلان التعثر، علما انها تمت بموافقة المصرف المعني و المصرف المركزي الذي رغب مسؤولوه على ما يبدو بامتصاص كتلة نقدية كبيرة بالعملة اللبنانية من ودائع جارية، بغض النظر عن حجم الملاءة الدولارية. علما أن جزءا من هذه الودائع جرى امتصاصها عند الاستحقاق تدريجيا بهيركات عالي بالتعميم ١٥١ بعد ان تم بحبحة وتحييد اصحاب الودائع الصغيرة بالليرة و اخراجهم من القطاع المصرفي.
في اواخر ٢٠٢٣ حاول الحاكم بالنيابة منصوري امساك العصا من الوسط باصدار تعميم الخرجية ١٦٦ الذي بدأ ب ١٥٠$ و رفعه الحاكم سعيد مؤخرا ل ٤٠٠$، والتعميم ٦٨٢ المعدل ل١٥٨ لجهة الافادة من بعض الحسابات المحولة من مصرف لاخر بعد ارجاعها، الا ان التضييقات والتنزيلات والفذلكات التي احتواها التعميم ١٥٨ والتعسف بتفسير وتطبيق البنود بما يخالف النص احيانا (باتفاق بين المصارف وبعض دوائر المركزي) جعلت فئة المستفيدين من التعديل ٦٨٢ تضمر كثيرا، تماما كما حصل مع التعديل الصادر في ١/١٠/٢٠٢١ المتعلق بالورثة وباستمرارية الحسابات.
هكذا فإن فتات التعميم ١٥٨ لم تطال كثر ممن كان عندهم ودائع دولارية قبل ٣١/١٠/٢٠١٩ و اقتيدوا منصاعين نحو تعميم الخرجية.
ان استمرار هيمنة فراعنة السياسة والاقتصاد والمال على الكثير من مفاصل الدولة العميقة، خصوصا بعد قرار اطلاق سراح الفرعون الصغير، يجعلنا حذرين و قلقين مما هو قادم في موضوع الفجوة المالية، رغم حسن النية التي يبديها المسؤولون الجدد، خصوصا ان اللوبي المصرفي متعشعش في المجلس النيابي.
لذا ندعو قوى المجتمع المدني، بما فيهم جمعيات المودعين و جميع الحريصين على العدل والعدالة الى التنبه و الى مواكبة هذه القضية الاساسية بكافة تفاصيلها و مراحلها و سياقاتها كي لا يستسهل تدفيع الفئات المستضعفة مزيدا من اثمان الفساد السياسي والمالي والمصرفي والاخلاقي.