بقلم ميراز الجندي
في بلدٍ أنهكته المحاصصة والفساد، يصعب أن تجد رمزًا أكثر تعبيرًا عن المأساة السياسية المزمنة من رئيس مجلس النواب نبيه بري. لأكثر من ثلاثة عقود، شكّل بري نموذجًا فاقعًا للسلطة التي تتقن التكيّف مع المتغيرات، فقط لضمان بقائها، ولو على أنقاض الدولة.
منذ تولّيه رئاسة المجلس النيابي عام 1992، حوّل هذه المؤسسة الدستورية إلى غرفة عمليات دائمة لإجهاض التغيير، وتعطيل المحاسبة، وتثبيت أعمدة “جمهورية المحسوبيات”. فعهد بري لم يكن يومًا عهد تشريعٍ منتج، بل عهد تسويات تخدم المنظومة وتُجهز على أي محاولة إصلاح.
أما على المستوى الوطني، فقد كان الرجل واجهة دائمة للمشروع الإيراني – السوري في لبنان، شريكًا عضويًا في حماية سلاح “حزب الله”، وفي شرعنة اختطاف القرار السيادي للدولة. لا يمكن تجاهل دوره الرمادي في إجهاض استقلالية القرار الشيعي، وتحويل المجلس النيابي إلى صندوق بريد للمحاور الإقليمية.
الأخطر من كل ذلك، أن نبيه بري لم يكن مجرّد “رجل مرحلة”، بل “عقبة مزمنة” أمام بناء الدولة. تحالفه المصلحي مع النظام السوري خلال الحرب وبعدها، وعلاقاته المتشابكة مع قوى خارجية، جعلاه متقنًا للعبة “اللا موقف”، إن لم نقل “كل المواقف حسب الحاجة”.
اليوم، ومع كل الانهيار السياسي والاقتصادي، لا يزال بري في موقعه، وكأن شيئًا لم يكن. لا اعتراف بالمسؤولية، ولا تحمّل للكلفة، ولا خطوة واحدة نحو التغيير. وكأن البقاء في السلطة، لدى بعضهم، هدف بحد ذاته، ولو كان الثمن الوطن بأكمله.
التغيير الحقيقي في لبنان لن يبدأ من الشارع فحسب، بل من كسر الأصنام السياسية التي نصّبت نفسها فوق الدستور وفوق الناس. ونبيه بري، في هذا السياق، ليس “أبًا للمجلس” كما يُحبّ البعض وصفه، بل أحد أبرز رموز الجمود والانحدار، الذي آن أوان تجاوزه. و عندها سنعلن عن نهاية المنظومة