بقلم بلال مهدي – خاص بوابة بيروت
@BilalMahdiii

رئيس التحرير
يكرر نعيم قاسم الخطاب نفسه الذي سمعه اللبنانيون منذ عقود، تهديدات الأعداء، شعارات الصمود، معادلة العزّة والذل، وادعاء حماية لبنان من “حديقته الخلفيّة”. لكن الحقيقة الصادمة التي يعرفها كل لبناني أنّ كل ما قيل سابقاً طبّق فعلاً على الأرض، وكانت نتيجته واحدة، دمارٌ متتالٍ، اقتصادٌ متهالك، انهيار مؤسسات الدولة، وبلد رهينة لصراع إقليمي لا يملك اللبنانيون فيه لا قرار الحرب أو السلم.
يقول نعيم قاسم إن التهديدات “لا تقدّم ولا تؤخّر”، بينما الواقع يثبت أنّ لبنان يتقدّم فقط نحو المزيد من العزلة، ويتأخّر في كل مؤشرات الحياة. ما الذي قدّمه هذا النهج للبنان سوى مزيد من المقابر، ومزيد من الهجرة، ومزيد من تدمير القرى الجنوبية والبقاعية؟ أين “الانتصارات” التي تُعلن في البيانات والتي تُقابلها خسارات يومية في أرواح الناس ولقمة عيشهم ومستقبل أولادهم؟
يزعم قاسم أنّ “الشعب لا يُهزم”، بينما الشعب اليوم مهزوم أمام ارتفاع الأسعار، مقهور أمام انهيار الليرة، مهدّد بتهجير جديد، ومحروم من أبسط حقوقه من كهرباء وماء وفرص عمل. أي صمود هذا الذي يطلبونه من الناس فيما هم يملكون الاقتصاد الموازي والسلاح المهيمن وأدوات السلطة؟
أما الحديث عن أنّ “العدو يريد الإبادة” فهو الاستخدام نفسه لفزاعة الوجود التي تُرفع عند كل أزمة بهدف تبرير سلاحٍ خارج الدولة، وتبرير مشاريع إقليمية لا علاقة لها بلبنان ولا بمصلحة اللبنانيين. لو كان هذا السلاح فعلاً يحمي لبنان، لما رأينا الجنوب اليوم مستباحاً، ولما بقي القرار العسكري رهينة، ولما سقطت القرى تحت نيران الردّ والردّ المضاد.
ما جُرِّب لعقود لا ينقذ وطناً… بل يُجهز على ما تبقّى منه
كل ما يقوله نعيم قاسم جرّبه اللبنانيون منذ 1982، مروراً بـ 2006، ووصولاً إلى حرب الإسناد الأخيرة. جُرِّبت معادلة “الشعب والجيش والمقاومة”، والنتيجة كانت شللاً كاملاً لمؤسسات الدولة، وافتعالاً لمعارك بلا قرار لبناني، وانهياراً اقتصادياً هو الأخطر في تاريخ المنطقة.
جُرِّبت معادلة “لن نقبل الذل” فيما الدولة أُذلّت، والجيش أُضعف، والقانون دُفن، والمواطن بقي بلا حماية ولا مستقبل.
جُرِّبت معادلة “التنازلات تزيد الاحتلال طمعاً”، بينما الطمع الحقيقي هو بمنصب الدولة وسلطاتها وقراراتها، وليس بأراضي لبنان.
جُرِّبت كل الشعارات… ولم نصل إلا إلى بلد خائف، معزول، مجوّع، مهدّد دائماً بحرب لا يقرّرها ولا يستطيع إنهاءها.
سلاح “حزب الله” لم يعد يحمي لبنان… بل يحمي نفسه
حين يقول نعيم قاسم إنّ “الحكومة عليها وضع خطط للمواجهة”، فإنّ السؤال البديهي هو، كيف يمكن لحكومة أن تخطط والحزب نفسه يحتكر القرار العسكري؟ كيف يمكن للدولة أن تضع رؤية بينما الحدود الجنوبية ليست تحت سلطتها بل رهن معادلة إيرانية؟ كيف يمكن للمواطن أن يشعر بالأمان بينما المخاطر تُدار من خارج مؤسسات الدولة؟
الواقع أنّ “الخيار المقاوم” لم يعد خياراً وطنياً، بل أصبح مشروعاً منفصلاً يعيش على حساب الدولة ويحلّ مكانها.
الحلول البديلة واضحة… لو كانت النية إنقاذ لبنان لا احتلاله سياسياً
تنتهي الحرب حين تبدأ الدولة. وتنقذ السيادة حين يتوحّد المواطنون حول مؤسساتهم الشرعية، لا حول شعارات تُستعمل لإبقائهم ضعفاء ومنقسمين وخائفين.
وهذا يتطلّب مساراً واضحاً:
1. إعادة القرار العسكري إلى الدولة فقط، لا أمن ولا استقرار ما دام قرار الحرب والسلم بيد حزب واحد يتصرّف بمعزل عن الحكومة والشعب.
2. تسليح الجيش اللبناني بسلاح نوعي، فلبنان يمتلك واحد من أكثر الجيوش انضباطاً في المنطقة، لكنه محروم من حقّه في التسلّح بسبب احتكار “سلاح المقاومة”. الجيش قوي هو وحده الذي يردع العدو ويحمي المواطنين.
3. التفاف كل اللبنانيين حول دولتهم ومؤسساتهم الشرعية، فلا حزب قادر على حماية 18 طائفة. أما الدولة، فهي الإطار الوحيد الذي يتسع للجميع ويضمن الشراكة والعدالة والمساواة.
4. إعلان استراتيجية دفاعية تُنهي الازدواجية. سلاح شرعي واحد، قرار واحد، حدود واحدة، جيش واحد. هذه ليست شروطاً تعجيزية، بل شروط البقاء.
5. وقف استخدام لبنان ساحة رسائل إقليمية. لبنان ليس ورقة تفاوض إيرانية، ولا منصة صواريخ غب الطلب، ولا خط دفاع عن نظام ملالي متهالك، بل وطن مستقل يجب أن يستعيد مكانته الطبيعية.
خلاصة القول، لبنان لا يحتاج خطاباً يعيد إنتاج المأساة… بل مشروع دولة يعيد إنتاج الحياة
خطابات التحدي لا تبني وطناً. “هيهات منا الذلة” لا تعيد الكهرباء. “لن نقبل أن نكون حديقة خلفية” لا تمنع الانهيار المالي. “سنصمد ونقاتل” لا تعيد أموال المودعين ولا المنتشرين الى الوطن.
الدول تُبنى بالمؤسسات لا بالميليشيات. بالأمل لا بالخوف. بالقانون لا الشعارات. اللبنانيون جرّبوا طريق “حزب الله” في ظل كل الشعارات… ووصلوا إلى الهاوية.
الطريق البديل واضح، دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة تأخذ قراراتها من بيروت فقط… لا من طهران.