خاص بوابة بيروت

باحث وكاتب سياسي
في الزاوية الشمالية من القرن الإفريقي، وعلى هامش الجغرافيا السياسية الدولية، تقف جمهورية أرض الصومال بوصفها إحدى أكثر الحالات الإشكالية في النظام الدولي المعاصر: دولة قائمة فعليًا، غائبة قانونيًا.
أعلنت أرض الصومال انفصالها الأحادي عن الصومال في 18 أيار 1991، عقب انهيار الدولة المركزية في مقديشو، مستندةً إلى حدود “الصومال البريطاني” السابقة للاستقلال عام 1960. ومنذ ذلك التاريخ، بنت كيانًا سياسيًا متماسكًا نسبيًا، من دون أن تنجح في انتزاع الاعتراف الدولي.
جغرافيًا، تحتل أرض الصومال موقعًا بالغ الحساسية. فهي تمتد على مساحة تقارب 137,600 كيلومتر مربع، وتطل شمالًا على خليج عدن، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. تحدّها جيبوتي غربًا، و”إثيوبيا” جنوبًا، بينما تشترك بحدود طويلة مع الصومال شرقًا وجنوبًا. هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية تفوق وزنها السياسي الرسمي، وجعلها حاضرة في حسابات البحر الأحمر والقرن الإفريقي رغم غيابها عن خرائط الاعتراف.
سياسيًا، تمتلك أرض الصومال ما تفتقده دول معترف بها في الإقليم: حكومة منتخبة، برلمانًا فاعلًا نسبيًا، ودستورًا أُقرّ باستفتاء شعبي عام 2001. وقد نجحت، عبر مزيج من الأعراف العشائرية والمؤسسات الحديثة، في إنتاج نموذج استقرار نادر في بيئة إقليمية مضطربة. مجلس الشيوخ التقليدي “Guurti” شكّل ركيزة أساسية في حل النزاعات، ومنع الانزلاق إلى الفوضى التي عصفت بالصومال بعد التسعينيات.
العاصمة هرجيسا تمثّل مركز القرار السياسي والإداري، فيما تبرز مدينة بربرة كمفتاح اقتصادي واستراتيجي، بفضل مينائها الذي تحوّل إلى رهان إقليمي، لا سيما مع الاستثمارات الإماراتية عبر شركة “DP World”، ومساعي ربطه بممر تجاري يخدم إثيوبيا ويخفّف اعتمادها على جيبوتي. هكذا، بات ميناء بربرة أكثر من منشأة لوجستية؛ إنه ورقة سياسية في لعبة الاعتراف المؤجَّل.
ديموغرافيًا، يقدَّر عدد سكان أرض الصومال بين أربعة وأربعة ملايين ونصف المليون نسمة، غالبيتهم من الصوماليين، مع “predominance” لقبيلة إسحاق إلى جانب قبائل أخرى. الهوية الوطنية هنا لم تُبنَ على سردية قومية صلبة بقدر ما تشكّلت بوصفها نقيضًا للفوضى: سلم أهلي، مصالحة عشائرية، ورفض للانهيار الشامل الذي عرفته الدولة الأم.
اقتصاديًا، لا تمتلك أرض الصومال ثروات كبرى، لكنها نجحت في إدارة موارد محدودة بكفاءة نسبية. يعتمد اقتصادها على تصدير الثروة الحيوانية إلى أسواق الخليج، وعلى تحويلات المغتربين، إضافة إلى دور محوري لشركات تحويل الأموال مثل “Dahabshiil”. العملة المحلية، شلن أرض الصومال، تعكس سيادة نقدية جزئية، وإن بقيت هشّة أمام الضغوط.
أمنيًا، تُصنَّف أرض الصومال من أكثر مناطق القرن الإفريقي استقرارًا. فحركة الشباب، التي تشكّل تهديدًا وجوديًا في الصومال، تكاد تكون غائبة عنها. هذا الاستقرار، الذي تحقّق من دون قوات دولية أو بعثات أممية، يُستخدم باستمرار كحجّة سياسية للمطالبة بالاعتراف.
خارجيًا، لا تحظى أرض الصومال باعتراف الأمم المتحدة، لكنها نسجت شبكة علاقات غير رسمية مع دول فاعلة، أبرزها إثيوبيا والإمارات، إضافة إلى علاقة دبلوماسية معلنة مع تايوان، في تحدٍّ صريح لمعادلات الاعتراف التقليدية. في المقابل، تواجه رفضًا قاطعًا من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي تعتبر أي اعتراف بها مساسًا بوحدة الصومال.
يبقى سؤال الاعتراف هو العقدة المركزية. فالمخاوف الإفريقية من تفكيك الدول، والتزام الاتحاد الإفريقي بمبدأ الحدود الموروثة، إضافة إلى الحسابات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر والخليج وإثيوبيا، كلها عوامل تُبقي أرض الصومال في خانة “الدولة غير المكتملة”.
في التقييم الواقعي، تبدو أرض الصومال نموذجًا كلاسيكيًا لـ الدولة الأمر الواقع “De facto state”، كيان يمتلك الأرض، السكان، والمؤسسات، لكنه يفتقد الشرعية القانونية الدولية. وهي، في هذا المعنى، تشبه حالات مثل كوسوفو قبل الاعتراف، أو شمال قبرص، أو ترانسنيستريا.
هكذا، لا يمكن اختزال أرض الصومال في كونها “كيانًا انفصاليًا” ولا يمكن، في الوقت نفسه، التعامل معها كدولة مكتملة السيادة. إنها حالة عالقة بين الواقع والقانون، بين الجغرافيا والشرعية، وبين ما هو قائم وما يُمنَع من الاكتمال.
إذًا أرض الصومال دولة بلا اعتراف، لكنها ليست كيانًا وهميًا. تمتلك كل عناصر الدولة الحديثة ما عدا الشرعية الدولية.
واليوم اعترفت اسرائيل بها كدولة مستقلة وأغدقت عليها ما تستطيعه من اتفاقيات أمنية واستراتيجية؛ فضلا عن الوعد الذي قطعه نتانياهو لرئيسها عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم “إرو – Abdirahman Mohamed Abdullahi”، الذي تولّى المنصب في 12 ديسمبر 2024 عقب فوزه في انتخابات رئاسية بمنصة حزب وداني المعارض بنسبة كبيرة من الأصوات، خلال المكالمة الهاتفية التي جرت بين الرجلين حيث تعهّد نتانياهو بحثّ الرئيس الأميركي ترامب للاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة.
الاشكالية التي تطرح لماذا الآن في هذه الظروف التي يتمّ فيها إعادة «خورَطَة» منطقة الشرق الأوسط؟
هل رفض مصر استقبال الغزاويين دفع الاسرائيلي للبحث عن أرض بديلة لترانسفير جماعي؟
هل سيشمل هذا الترانسفير، إن حصل، فلسطينيي الضفّة الغربيّة؟ أو على الأقل قسم كبير منهم، وبالتالي تسقط مقررات قمة بيروت 2002 وحلّ الدولتين، وننتقل إلى مشروع الإمارات السبع الذي سبق لي وكتبت عنه تقريرين صحفيين في موقع جسور عربيّة منذ أكثر من أربع سنوات تقريبًا؟
وهذا ما سيفتح الباب على موجة استيطان جنونية في الضفة الغربية.
وقد يشكّل أيضًا مدخلًا لحلّ قضايا الشتات، عنيت هنا فلسطينيي لبنان وسوريا الذين لم يجنّسوا لاعتبارات ديموغرافية، على عكس ما حصل في الأردن.
وبالطبع ذلك كله سيكون مقابل مغريات ضخمة جدًّا لن يستطيع مقاومتها لا رئيس دولة صوماليالاند ولا أهالي غزة المنكوبين، أو أهالي الضفة الذين قد يتعرّضون لحرب جديدة، ولا حتى الذين يعيشون في مخيمات الشتات، ولا سيّما إن نجح المجتمع الدولي بإيقاف عمل الأونوروا، وكالة غوث اللاجئين.
فالرئيس الصوماليولندي سيلقى اعترافًا دوليًّا بدولته التي ناضل لأجلها منذ 35 سنة تقريبًا. مع مساعدات اقتصادية عبر اتفاقيات شراكة مع اسرائيل وهذه الدولة الناشئة، ما سيؤمّن السيطرة على مدخل البحر الأحمر لجهة القرن الافريقي. وهذا بدوره ما سيوفّر حماية للمدخل الجنوبي لقناة بن غوريون في المستقبل القريب.
وكما أصبحت إسرائيل بليلة وضحاها على تخوم الجمهورية الاسلامية في إيران بتطبيعها مع الامارات العربية المتحدة، هكذا أصبحت على حدود اليمن، فتم تطويق الخليج العربي بمثلث جديد يمتد من شرق المتوسط إلى القرن الافريقي جنوبًا فبحر العرب شمالًا.
وحدها الشعوب التي تثابر في نضالها وتعرف كيف تقاطع مصلحتها مع المصالح الدولية تستطيع تحقيق الانتصار. أمّا تلك الاي تناضل لمئات ومئات من السنين ولا تعرف كيفية قراءة المتغيرات الدولية، تخسر نضالها وأرضها وتصبح من التاريخ. ولنا فيه أمثولات كثيرة. فهل سنعرف كلبنانيين أن نحقق مصلحة بلدنا في احظة نقاطع المصالح الدولية؟ أم سنخسر نضالًا عمره آلاف السنين لقاء مصالح شخصية لبعض الذين برعوا عبر التاريخ ببيع أوطانهم بثلاثين من فضّة؟