بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

كاتب وناشط سياسي
ليست العملة الورقية مجرد وسيلة للتبادل، بل هي انعكاس مباشر لثقة الناس بالدولة، ولصورتهم عن المستقبل، ولإيمانهم بأن الغد سيكون أفضل من الأمس. من هنا، فإن قرار إزالة صفرين من العملة السورية يُعد خطوة كبيرة، جريئة، وحساسة في آنٍ واحد، تحمل في طياتها آمالًا واسعة، ولكنها لا تخلو من التحديات.
إن تقبّل الشعب السوري، ولو لفترة وجيزة، لوجود عملتين ورقيتين متداولتين في السوق “واحدة قديمة وأخرى جديدة بقيمة اسمية أقل” ليس بالأمر السهل، خاصة خلال المرحلة الانتقالية الأولى. فالكثير من المواطنين سيجدون أنفسهم أمام معادلة جديدة تحتاج إلى فهم ووعي، لا سيما عند التعامل بالسلع مرتفعة الثمن، أو في عمليات بيع العقارات والسيارات، حيث يمكن لأي التباس بسيط أن يؤدي إلى خسائر كبيرة.
في هذه المرحلة الحساسة، سيحاول الناس استيعاب الفرق بين القيمتين، وفهم أن العملة الجديدة “رغم أن رقمها أقل” إلا أنها في الحقيقة أكثر قيمة بكثير، لأن إزالة صفرين لا تعني تقليل القوة الشرائية، بل إعادة تنظيمها وتبسيطها. إلا أن هذا الفهم لا يأتي تلقائيًا، بل يحتاج إلى توعية مستمرة وصريحة.
من هنا، تبرز مسؤولية الدولة الجديدة في لعب دور توعوي فاعل، عبر إطلاق حملات إعلامية مدروسة، والاستعانة بالمؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، للحديث بلغة بسيطة ومباشرة عن الفرق بين العملتين، وشرح آلية التعامل بينهما، والتحذير من أي محاولات تلاعب أو استغلال، خاصة في سوق العقارات الذي يُعد من أكثر القطاعات حساسية في هذه المرحلة.
فغياب الوعي قد يفتح الباب أمام المضاربة أو الغش، بينما الشفافية والشرح الواضح يعززان شعور الأمان لدى المواطن، ويمنحانه القدرة على اتخاذ قرارات صحيحة دون خوف أو تردد.
ورغم أن الطريق ليس سهلًا، إلا أن ثقة المواطن بأن الأمور تتجه نحو التحسن، وأن مستوى الدخل سيتحسن تدريجيًا، تشكل عاملًا أساسيًا في إنجاح هذا المشروع. فعندما يشعر المواطن أنه شريك في عملية النهوض، لا مجرد متلقٍ للقرارات، فإن ذلك يعزز انخراطه، ويزيد من ثقته بإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
ولعل من الإشارات الإيجابية في العملة الجديدة هو التخلي عن الصور الشخصية، والتركيز بدلًا من ذلك على عنصرين عميقين في الوجدان الوطني: التاريخ والأماكن الأثرية، إلى جانب الزراعة وقيمتها الوطنية. هذا الاختيار لا يعكس فقط هوية جامعة، بل يرسل رسالة واضحة بأن الوطن أكبر من الأفراد، وأن ما يجمع السوريين هو تاريخهم، وأرضهم، وإنتاجهم.
كما أن الألوان المختارة جاءت مفرحة، نابضة بالحياة، وتحمل رمزية الأمل والاستمرارية، وكأنها تقول إن هذه العملة ليست مجرد ورق جديد، بل بداية صفحة جديدة، وروح جديدة تُضخ في شرايين الاقتصاد.
مبروك للشعب السوري عملته الجديدة. عسى أن تكون هذه الخطوة انطلاقة حقيقية لاقتصاد واعد، وبداية لبناء دولة القانون، ودولة الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي. فالثقة تُبنى بالتراكم، والعمل الجاد، والوضوح… وهذه العملة قد تكون إحدى اللبنات الأولى في هذا الطريق الطويل، ولكن الضروري.