علاقة #اليهود بالفرس أكبر من #القدس

بقلم بسام سنو – خاص بوابة بيروت
@sinno_bassam

لطالما اختُزل الصراع في الشرق الأوسط في عنوان واحد: القدس. غير أن التعمق في التاريخ السياسي والتحالفات غير المعلنة يكشف أن العلاقة بين اليهود والفرس، أو بين اللوبي الصهيوني وإيران، تتجاوز القدس والجغرافيا، وتمتد إلى المصالح، والعقيدة، وإدارة النفوذ في المنطقة.

اليوم، يطفو إلى السطح خلافٌ عميق داخل البيت الصهيوني نفسه. فاللوبي الصهيوني، وخصوصًا في الولايات المتحدة وتحديدًا في نيويورك، غير راضٍ عمّا يقوم به بنيامين نتنياهو. هذا اللوبي الذي لطالما كان اللاعب الخفي والأقوى في صناعة القرار الأميركي، لا يرى في سياسات نتنياهو الحالية انعكاسًا لمصالحه الاستراتيجية بعيدة المدى.

وللتذكير، فإن اللوبي الصهيوني في نيويورك لم يكن مجرد داعم سياسي عابر، بل كان اليد اليمنى لوصول شخصيات إسلامية شيعية إلى مواقع حساسة، من بينها رئاسة بلدية نيويورك، كما كان له دور مباشر في فتح أبواب البيت الأبيض أمامها، حتى بعد تهديدات مباشرة من الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترمب. هذه الوقائع تشير بوضوح إلى أن المصالح، لا الأيديولوجيا، هي ما يحكم العلاقة.

أما على مستوى إيران، فلا يمكن إغفال الدور الأميركي “الديمقراطي تحديدًا” في صعود النفوذ الإيراني. فقد كان باراك أوباما الداعم الأول لسياسات أسهمت في تقوية إيران، سواء عبر الاتفاق النووي أو عبر غضّ الطرف عن تمددها الإقليمي، ثم جاء جو بايدن ليكمل هذا النهج بشكل أو بآخر. هذا الدعم لم يكن بريئًا، بل كان جزءًا من رؤية ترى في إيران قوة يمكن توظيفها لإدارة التوازنات في الشرق الأوسط.

في المقابل، جاء دونالد ترمب بمقاربة مغايرة، تقوم على إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، دعمًا لرؤية نتنياهو الذي يعتبر إيران التهديد الوجودي الأول لإسرائيل. لكن هذا التلاقي بين ترمب ونتنياهو لم يحظَ بإجماع اللوبي الصهيوني في أميركا، بل على العكس، فتح باب صراعٍ داخليٍّ غير معلن.

اليوم، نشهد صراعًا حقيقيًا بين نتنياهو واللوبي الصهيوني الأميركي. صراع ليس على التكتيك، بل على العقيدة والرؤية. فاللوبي لا يرى فيما يقوم به نتنياهو “حقًا مطلقًا”، بل مغامرة قد تُفقده القدرة على التحكم بمسار الأحداث.

الإيراني بدوره يجد نفسه في قلب هذا الصراع. فاللوبي الصهيوني ينظر إلى إيران كحليف استراتيجي غير مباشر، ويكفي التذكير بأن وصول الخميني إلى الحكم لم يكن بعيدًا عن دعم اللوبي الفرنسي، في لحظة تاريخية كان فيها نظام الشاه “رغم تحالفه مع الغرب” أقل فائدة لمشاريع النفوذ في المنطقة.

لقد خدم نظام ولاية الفقيه مصالح كبرى أكثر مما خدمها النظام الإسرائيلي نفسه في بعض المراحل، إذ تحوّلت إيران إلى “بعبع” المنطقة، بعد أن خفّ وهج الخوف من الصهيونية عقب مسارات السلام واتفاقياته. فوجود عدو دائم ومرعب كان ضرورة لإعادة ضبط المنطقة سياسيًا وأمنيًا.

اليوم، يكبر الصراع بين اللوبي الصهيوني والحكم في إسرائيل. وإذا ما أقدم نتنياهو على توجيه ضربة مباشرة وقاسية لإيران، فقد يجد نفسه خارج الحكم، وربما خارج المعادلة السياسية كليًا. لذلك، يبدو أن نتنياهو يسعى، بالتفاهم مع ترمب، إلى خيار أقل كلفة: زعزعة النظام الإيراني من الداخل.

الرهان هنا على انهيار اقتصادي خانق، يمهّد لثورة شبابية أكثر تحررًا، أكثر انفتاحًا، وأكثر تطورًا، قادرة على إسقاط النظام دون حرب مباشرة، ودون إحراج ترمب أمام اللوبي الصهيوني الأميركي. غير أن نجاح هذا السيناريو يبقى مرهونًا بدعم حلفاء نتنياهو الإقليميين والدوليين.

من هنا، أرى أن الضربة الصهيونية المحتملة لإيران قد تكون محدودة ومدروسة، في حين أن الضربة الموجهة إلى لبنان قد تكون قاصمة لحزب الله، باعتباره الذراع الأقوى لإيران في المنطقة.

ويبقى السؤال الكبير مفتوحًا، هل ينجح نتنياهو في تحقيق أهدافه الاستراتيجية دون أن يتحول هو نفسه إلى ضحية هذا الصراع المعقّد بين اللوبي، وإيران، والبيت الإسرائيلي؟

اخترنا لك