مع مطلع عام 2026 : #السلام ليس خيارًا سياسيًا… بل التزامًا قانونيًا وحقًا إنسانيًا غير قابل للتأجيل

بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت
@dr_tarakji

مع بداية عامٍ جديد، يقف العالم مرةً أخرى أمام مرآةٍ قاسية تعكس حجم الإخفاق الجماعي في حماية الإنسان، إخفاقٌ لا يمكن تبريره بغياب القوانين أو نقص المواثيق، بل يفضح على نحوٍ صارخ تغييب الإرادة السياسية، وتسخير منظومات العدالة الدولية لخدمة مصالح ضيقة، وتحويل حقوق الإنسان من التزام قانوني واجب النفاذ إلى أداة انتقائية تُستخدم حينًا وتُهمَل حينًا آخر وفق ميزان القوة لا ميزان الحق.

لقد أثبتت التجربة المعاصرة أن المشكلة لم تكن يومًا في النصوص، فالقانون الدولي الإنساني، ومواثيق حقوق الإنسان، والقواعد الآمرة التي لا يجوز الخروج عليها، وُضعت أساسًا لحماية الكرامة الإنسانية بوصفها قيمة مطلقة لا تقبل المساومة أو التسييس. غير أن ما يشهده العالم اليوم هو انحراف خطير عن هذا المسار، حيث تُعلّق المبادئ عند أول اختبار، وتُفرغ الالتزامات من مضمونها، ويُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة آلة العنف والنزاعات.

ولم يعد السلام، في هذا السياق، مطلبًا أخلاقيًا مجردًا أو شعارًا إنشائيًا يُستحضر في المؤتمرات والخطابات الموسمية، بل تحوّل إلى ضرورة وجودية لبقاء المجتمعات، واستمرار الدول، وحماية الحضارة الإنسانية ذاتها من الانهيار الذاتي. فغياب السلام لم يعد يهدد مناطق بعينها، بل بات يزعزع الاستقرار الدولي برمّته، ويقوّض أسس الأمن الجماعي، ويحوّل العالم إلى فضاء مفتوح للفوضى والجريمة والإرهاب.

إن السلام، وفق منطق القانون الدولي، ليس خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا يسبق كل اعتبار، لأن البديل عنه ليس سوى مزيد من الدم، ومزيد من الانتهاكات، ومزيد من فقدان الثقة في النظام الدولي ذاته.

عالمٌ مثقل بالنزاعات… وإنسانٌ يدفع الثمن

في مختلف بقاع الأرض، تتكاثر الحروب وتتسع رقعة النزاعات المسلحة بوتيرة مقلقة، فيما تُستنزف الشعوب بين قصفٍ مباشر لا يميّز بين مدني ومقاتل، وحصارٍ اقتصادي يُستخدم كسلاح جماعي، وعنفٍ ممنهج تمارسه سلطات أو جماعات مسلّحة، وإرهابٍ عابرٍ للحدود يتغذّى على الفوضى وغياب العدالة.

هذه الوقائع لم تعد استثناءات طارئة، بل تحوّلت إلى نمطٍ متكرر يُدار في كثير من الأحيان تحت غطاء الصمت الدولي أو العجز المقصود.

وفي كل مرة، يكون الإنسان هو الضحية الأولى والأخيرة، في انتهاكٍ واضح لمبدأ الحماية العامة للمدنيين المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني.
طفلٌ يُحرم من حقه الطبيعي في التعليم والحياة الآمنة، في خرقٍ مباشر لالتزامات الدول بحماية الطفولة.

امرأةٌ تُسلب كرامتها وتُستهدف جسديًا أو نفسيًا، في تجاهلٍ فجّ لمبدأ عدم التمييز وحظر العنف القائم على النوع الاجتماعي.

مدنيٌ يُقتل بلا ذنب، خارج أي ضرورة عسكرية، في مخالفة صريحة للحق في الحياة بوصفه حقًا أصيلًا لا يجوز المساس به.

ومجتمعٌ بأكمله يُدفع قسرًا نحو الفقر والجريمة والتطرّف، نتيجة سياسات قهرية تخلق بيئات خصبة لانهيار السلم الأهلي وتفكك النسيج الاجتماعي.

إن استمرار هذا الواقع لا يعكس فشلًا سياسيًا فحسب، بل يشكّل انتهاكًا صارخًا لجوهر القانون الدولي، الذي وُجد أساسًا لحماية الإنسان لا لتبرير قتله، ولا لإضفاء الشرعية على معاناته، ولا لتجميل الصمت تجاه الجرائم حين تصبح كلفتها السياسية مرتفعة. فحين يُترك الإنسان بلا حماية، تتحوّل القوانين إلى نصوص فارغة، ويتحوّل النظام الدولي من إطارٍ للحماية إلى شاهدٍ عاجز على الانتهاك.

القانون الدولي، بين النص والتطبيق

لقد أقرت المواثيق الدولية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مبدأً لا يحتمل التأويل أو الانتقاص: حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان حقه غير القابل للتصرف في الحياة والأمن والسلام.
وهو مبدأ لم يُصغ بوصفه توصية أخلاقية أو توجّهًا سياسيًا، بل التزامًا قانونيًا ملزمًا للدول، يشكّل حجر الأساس للنظام الدولي المعاصر.

غير أن الواقع الراهن يكشف مفارقة خطيرة تهدد مصداقية هذا النظام برمّته.
قوانين تُرفع كشعارات في المحافل الدولية، دون أن تجد طريقها إلى التطبيق.
ومؤسسات تُستعمل كواجهات شكلية، تُدار وفق موازين النفوذ لا وفق معايير العدالة.

ومفاهيم حقوقية تُفرغ من مضمونها، حين تُختزل في بيانات إدانة انتقائية أو صمتٍ مدروس.

وفي هذا السياق، تُمنح الشرعية للعنف حين يخدم مصالح القوى النافذة، وتُدان أشكال الدفاع أو المقاومة حين لا تنسجم مع الحسابات السياسية السائدة، في تناقض صارخ مع مبدأ المساواة أمام القانون، ومع حظر التمييز في تطبيق القواعد الدولية.

إن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم ليس غياب النصوص أو ضعفها، بل ازدواجية المعايير، وانتقائية العدالة، وتحويل حقوق الإنسان من مرجعية قانونية آمرة إلى أداة ضغط سياسي.

وحين تُستخدم الحقوق بهذا الشكل، فإنها تفقد جوهرها الأخلاقي، ويتحوّل القانون الدولي من مظلة حماية إلى وسيلة تبرير، ومن ضامن للإنسان إلى شاهد صامت على انتهاكه.

السلام والتنمية: معادلة واحدة لا تنفصل

لا يمكن الحديث عن تنمية بشرية حقيقية في ظل الحروب، كما لا يمكن بناء أمنٍ مستدام في بيئات ينهشها الفقر والتهميش، ولا مكافحة الجريمة المنظمة أو الإرهاب دون معالجة جذورهما البنيوية.

فالتجارب الدولية أثبتت أن العنف لا يولد من فراغ، بل ينمو حيث تغيب العدالة، وتُقمع الحقوق، ويُهمَّش الإنسان اقتصاديًا واجتماعيًا.

السلام، في هذا الإطار، ليس مجرد غيابٍ للسلاح أو توقفٍ مؤقت لإطلاق النار، بل هو حالة شاملة تقوم على، وجود العدالة بوصفها الضامن الأول للاستقرار، وتكافؤ الفرص بوصفه أساس السلم الاجتماعي، واحترام الكرامة الإنسانية بوصفها خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، وبناء دولة القانون والمؤسسات لا دولة القوة والغلبة.

فحيث يغيب السلام الحقيقي، تزدهر الجريمة المنظمة، ويتوسع الإرهاب، وتتحول المجتمعات إلى بيئات هشّة قابلة للانفجار في أي لحظة، مهما بلغ حجم الإنفاق الأمني أو العسكري. ذلك أن الأمن القسري لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار، ويعمّق أسبابه.

مسؤولية الدول… قبل الخطابات

إن الدول، دون استثناء، مطالَبة اليوم بإجراء مراجعة جذرية لسياساتها، والعودة إلى أصل التزامها القانوني والأخلاقي الذي قبلت به طوعًا عند انضمامها إلى المنظومة الدولية.

فالمطلوب ليس المزيد من الخطابات، بل سياسات واضحة تقوم على:

حماية المدنيين لا تبرير استهدافهم تحت أي ذريعة، واحترام السيادة الوطنية لا استباحتها باسم المصالح أو التدخلات الانتقائية، ومكافحة الإرهاب دون صناعة أسبابه عبر الظلم والإقصاء والقمع، ودعم السلام الحقيقي دون الاستثمار في الحروب أو تأجيج النزاعات.

فلا شرعية لأي سلطة تتغذى على الخوف، ولا استقرار لأي دولة تبني أمنها على انتهاك الحقوق، ولا مصداقية لأي خطاب حقوقي يُستخدم لتصفية الحسابات السياسية بدل إنصاف الضحايا.

نداء عام 2026، إنقاذ الإنسان أولًا

مع مطلع عام 2026، لم يعد مقبولًا الاستمرار في إدارة العالم بعقلية الأزمات المؤجلة، ولا في التعامل مع الإنسان كرقمٍ في تقارير إحصائية، أو ورقة تفاوض تُستعمل ثم تُهمل على طاولات المصالح الدولية.

إن السلام لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للمساومة أو التأجيل، بل واجبًا قانونيًا تفرضه المواثيق الدولية، وأولوية إنسانية تمليها الكرامة البشرية، ومسؤولية جماعية تقع على عاتق الدول والمؤسسات والمجتمعات.

وأي نظام دولي لا يضع الإنسان في مركز قراراته، ولا يجعل حمايته الغاية الأولى لكل سياسة عامة أو أمنية أو اقتصادية، سيظل نظامًا هشًا، فاقدًا للشرعية الأخلاقية والقانونية، مهما امتلك من القوة والنفوذ.

اخترنا لك