عندما يتحول الوثائقي إلى أداة تشويه سياسي : قراءة قانونية وإعلامية في خطاب قناة #DW ضد #السعودية

من #الصحافة إلى صناعة الرواية المسبقة

من #الصحافة إلى صناعة الرواية المسبقة
@dr_tarakji
بقلم د. عبد العزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت

في عالمٍ يُفترض أن تحكمه قواعد المهنية والحياد، لم تعد بعض المنصات الإعلامية الدولية تكتفي بدور المراقب أو الناقل الموضوعي للوقائع، بل أضحت “في حالات متزايدة” فاعلًا مشاركًا في صناعة روايات سياسية مُسبقة تُسقَط على دول بعينها وفق اعتبارات أيديولوجية وانتقائية لا علاقة لها بالتحقيق المهني الرصين. فالعمل الصحفي، حين ينفصل عن معاييره القانونية والإعلامية، يتحوّل من أداة معرفة إلى وسيلة توجيه وتشكيل للرأي العام، تُغلّف فيها المواقف السياسية بلغة حقوقية جذّابة تُوهم بالموضوعية، بينما تُخفي في جوهرها أحكامًا سياسية جاهزة.

الوثائقي الذي بثّته قناة DW بعنوان «المملكة العربية السعودية بين القمع والتحول» يندرج ضمن هذا النمط الإشكالي؛ إذ لا يسعى إلى الفهم المركّب ولا إلى التحليل المتوازن الذي يراعي السياقين القانوني والسيادي للدولة، بل ينطلق من فرضية إدانة مُعدّة سلفًا، ثم ينتقي الوقائع والشهادات بما يخدمها.

وقد جرى تسويق هذه الفرضية عبر إخراج سينمائي محسوب، ولغة حقوقية عامة تفتقر إلى التعريفات القانونية الدقيقة، وتغفل مبادئ راسخة في القانون الدولي العام، مثل قرينة المشروعية السيادية وهامش التقدير الوطني ومبدأ عدم التدخل. وبهذا، يتحول “الوثائقي” من تحقيق يستقصي الحقيقة إلى سردية موجّهة تُقدَّم على أنها توصيف شامل، بينما هي في الواقع قراءة انتقائية تُقصي التعقيد وتختزل التحولات العميقة في أحكام تبسيطية.

وثائقي بلا ميزان

لا تكمن الإشكالية الجوهرية في هذا العمل في مجرّد توجيه النقد، فالنقد في ذاته حق مشروع ومكوّن أساسي من مكونات العمل الصحفي، بل في غياب المنهج الصحفي والقانوني السليم الذي يُفترض أن يحكم أي مادة تُقدَّم على أنها وثائقية. إذ يعرض الوثائقي التحوّل السعودي بوصفه مجرّد واجهة تجميلية في مقابل توصيف فضفاض لما يسميه «قمعًا مطلقًا»، دون أن يقدّم تعريفًا قانونيًا منضبطًا لمفهوم القمع كما هو مستقر في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ودون تمييز بين الإجراءات السيادية المشروعة وبين الانتهاكات الفعلية المثبتة بأدلة ومعايير معترف بها.

الأخطر من ذلك أن التقرير لا يُخضع ادعاءاته لأي اختبار مقارن، وهو مبدأ أساسي في التحليل القانوني والإعلامي الرصين. فالدول، بما فيها الديمقراطيات الغربية، تمارس قيودًا أمنية وتشريعية مشددة في حالات التهديد للأمن القومي أو النظام العام، وغالبًا ما تُبرَّر هذه القيود ضمن إطار مبدأ التناسب والضرورة. غير أن الوثائقي يتجاهل هذا السياق كليًا، ويُسقط على المملكة العربية السعودية قراءة استثنائية، تُجرّدها من حقها السيادي المعترف به دوليًا في تنظيم شؤونها الداخلية وفق منظومتها القانونية.

بهذا النهج، ينزلق التقرير من فضاء التحليل إلى حكم قيمي سياسي، تُستبدل فيه المعايير القانونية بلغة انطباعية، وتُختزل التحولات المركّبة في ثنائية تبسيطية لا تصمد أمام أي فحص مهني. وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد الصحافة الاستقصائية، ومع المعايير المهنية المعتمدة دوليًا، ويحوّل “الوثائقي” من أداة لفهم الواقع إلى وسيلة لإعادة إنتاج موقف أيديولوجي مُسبق، يُقدَّم للمشاهد على أنه حقيقة مكتملة.

الشهادات، صوت واحد ورواية واحدة

اعتمد الوثائقي بصورة شبه كاملة على شهادات معارضين مقيمين في الخارج، وناشطين منفيين، وخبراء غربيين قُدِّموا للمشاهد باعتبارهم ممثلي الحقيقة الكاملة والمرجعية النهائية لفهم الواقع السعودي، دون أن يخضعوا لأي مساءلة مهنية تتعلق بخلفياتهم السياسية، أو ارتباطاتهم التنظيمية، أو الأجندات التي قد تحكم مواقفهم. في العمل الصحفي الجاد، تُعامل الشهادة بوصفها عنصرًا من عناصر السرد، لا دليلاً قاطعًا بحد ذاته، وتُفحص ضمن سياقها القانوني والسياسي، لا أن تُمنح حصانة مطلقة من النقد أو التدقيق.

الأكثر إشكالية أن الوثائقي تجاهل كليًا عرض أي وجهة نظر قانونية سعودية، أو رأي مؤسساتي رسمي، أو حتى قراءة مستقلة من داخل المجتمع السعودي نفسه، رغم وفرة الأكاديميين والقانونيين والباحثين القادرين على تقديم مقاربات نقدية أو تفسيرية من الداخل. هذا الإقصاء المتعمّد للرأي المقابل يتعارض مع مبدأ التوازن الذي يُعدّ ركنًا أساسيًا في الصحافة الاستقصائية، كما يتنافى مع أبسط قواعد العدالة الإجرائية المعروفة في القانون، والتي تقوم على سماع جميع الأطراف قبل إصدار الأحكام.

وبهذا الأسلوب، لا ينتج الوثائقي معرفة حقيقية بقدر ما يصنع سردية أحادية مغلقة، تُفرض على المشاهد بوصفها الواقع الوحيد الممكن، بينما هي في حقيقتها قراءة انتقائية، تُقصي التعدد، وتختزل مجتمعًا ودولة في أصوات محددة اختيرت بعناية لتأكيد فرضية سابقة لا لبحث الحقيقة بكل أبعادها.

تغييب السياق الأمني والسيادي

يتجاهل الوثائقي بصورة لافتة حقيقة أن المملكة العربية السعودية تعمل ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها النزاعات المسلحة، والجماعات الإرهابية العابرة للحدود، وحروب الوكالة، ومحاولات زعزعة استقرار الدول الوطنية من الداخل. هذا السياق ليس تفصيلاً ثانويًا يمكن القفز فوقه، بل هو عنصر حاسم في أي تقييم قانوني أو سياسي جاد للإجراءات التي تعتمدها الدول لحماية أمنها القومي وسلامة مجتمعها.

القانون الدولي العام، الذي تتغنّى به هذه التقارير عند توجيه الاتهامات، يعترف صراحة بحق الدول في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية النظام العام والأمن القومي، وهو حق ثابت في ميثاق الأمم المتحدة، ومكرّس في اجتهادات المحاكم الدولية، ومشروط بمبادئ الضرورة والتناسب. غير أن الوثائقي يتعامل مع هذا الحق السيادي وكأنه استثناء غير مشروع، ويُسقط أي إجراء أمني أو تشريعي في خانة “القمع”، دون تمييز بين التدابير الوقائية المشروعة والانتهاكات المثبتة قانونًا.

هذا التبسيط المخلّ لا يعكس جهلًا بالسياق فحسب، بل يشكّل إلغاءً متعمّدًا لمفاهيم قانونية مركزية، مثل التقدير السيادي، وتفاوت التهديدات بين الدول، واختلاف البيئات الأمنية. وبهذا الإلغاء، يُفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه القانوني، ويحوّله إلى أداة سياسية تُستخدم لإدانة دولة بعينها، لا لفهم التحديات الواقعية التي تواجهها ولا لقياس سياساتها وفق معايير موضوعية عادلة.

الإعلام والدولة، ازدواجية المعايير

ينتقد التقرير الإعلام السعودي بزعم أنه يعكس رؤية الدولة ومشاريعها التنموية، وكأن امتلاك خطاب رسمي أو إعلام عام يُعبّر عن السياسات الوطنية أصبح جريمة حصرية حين تكون الدولة عربية. هذا الطرح يتجاهل حقيقة راسخة في النظم القانونية والدستورية المقارنة، وهي أن الإعلام العام أو شبه العام في معظم دول العالم يُعدّ أداة سيادية مشروعة للتواصل مع المجتمع والدفاع عن الخيارات الاستراتيجية للدولة، دون أن يُعدّ ذلك بحد ذاته انتهاكًا لحرية التعبير.

ففي أوروبا والولايات المتحدة، حيث تمتلك الحكومات منصات إعلامية رسمية أو مدعومة من المال العام، لا تُوصَف هذه المنصات بأنها “أدوات تلميع”، ولا يُقدَّم وجودها كدليل على “إسكات الأصوات المستقلة”. بل يُنظر إليها ضمن إطار التعدد الإعلامي، حيث يتعايش الإعلام الرسمي مع الإعلام الخاص والمعارض في فضاء واحد. غير أن الوثائقي يتعمّد تجاهل هذا المنطق، ويُسقط على الحالة السعودية قراءة استثنائية، تُحمّل الإعلام الرسمي ما لا يُحمَّل لغيره في السياقات الغربية.

هذه الازدواجية الصارخة في المعايير لا تعبّر عن حرص حقيقي على حرية الإعلام، بقدر ما تكشف أن الإشكالية الحقيقية في نظر معدّي التقرير ليست في وظيفة الإعلام بحد ذاتها، بل في الدولة التي ترفض أن تُدار من الخارج، وتُصرّ على امتلاك سرديتها الوطنية، والدفاع عن مشروعها السياسي والتنموي بوصفه خيارًا سياديًا مشروعًا، لا مادة مفتوحة للتشويه أو الوصاية.

رؤية 2030، مشروع دولة لا حملة علاقات عامة

إن اختزال رؤية 2030 في كونها “واجهة اقتصادية” أو حملة علاقات عامة موجّهة للخارج، كما يوحي الخطاب الوثائقي، يتجاهل حقيقة جوهرية مفادها أن هذه الرؤية شكّلت إعادة تأسيس شاملة لعلاقة الدولة بالمجتمع، ولم تكن مجرد برنامج إصلاحي جزئي أو تجميلي. فهي مشروع تحوّلي متكامل أعاد هيكلة الاقتصاد الوطني، وحرّر قطاعات واسعة من الاعتماد الأحادي على الريع، وفتح المجال أمام المبادرة الفردية والاستثمار، وربط التنمية بالاستدامة والحوكمة لا بالشعارات.

وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، أسهمت الرؤية في توسيع المشاركة المجتمعية، وتمكين المرأة تمكينًا فعليًا في مجالات العمل والتعليم والحياة العامة، وفتح المجال العام أمام الثقافة والفنون والمعرفة بوصفها أدوات بناء لا تهديدًا للهوية. كما رافق ذلك تقليص منهجي لمساحات التطرف الديني والسياسي، عبر تعزيز خطاب الاعتدال وترسيخ دولة القانون والمؤسسات. هذه التحولات لم تكن شكلية ولا ظرفية، بل تحولات بنيوية عميقة انعكست في مؤشرات الاستقرار الداخلي، وتعزيز الأمن المجتمعي، وجعلت المملكة العربية السعودية اليوم من أكثر دول المنطقة جذبًا للاستثمار، وأكثرها قدرة على التكيّف مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية.

حقوق الإنسان في السعودية، ضمانات لا شعارات

على عكس الصورة التي يروّج لها الوثائقي، لم تعد حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية مجرّد التزام نظري أو خطاب سياسي موجّه للاستهلاك الخارجي، بل أصبحت جزءًا متناميًا من منظومة تشريعية ومؤسساتية آخذة في التطور والتكريس. فقد شهدت السنوات الأخيرة تحديثات قانونية ملموسة شملت مجالات متعددة، من تنظيم العمل والإجراءات الجزائية، إلى تعزيز ضمانات التقاضي، وتوسيع آليات الرقابة والمساءلة، بما ينسجم مع التزامات الدولة الدولية دون المساس بخصوصيتها القانونية والثقافية.

وفي هذا السياق، برز توسّع فعلي في حقوق المرأة، سواء على مستوى المشاركة في الحياة العامة، أو في سوق العمل، أو في الحماية القانونية، إلى جانب تحسين الإجراءات القضائية بما يعزّز مبدأ المحاكمة العادلة ويحدّ من التعسف. هذه التطورات لا يمكن فصلها عن رؤية إصلاحية أوسع ترى في حقوق الإنسان عنصر استقرار وبناء، لا أداة صراع أو تفكيك. والمقاربة السعودية في هذا المجال تقوم على المواءمة بين حماية الحقوق الفردية وصون المجتمع والدولة، وهو مبدأ معتمد في النظم القانونية المقارنة، غير أنه يُقابل بالنقد والتشكيك حين تطبّقه دولة ترفض الخضوع للوصاية السياسية الغربية، وتصرّ على تطوير نموذجها الحقوقي ضمن إطار سيادتها الوطنية.

الأمير محمد بن سلمان، قائد استقرار وسلام

إن محاولة تصوير ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوصفه مجرد رمز لـ«القبضة الأمنية» لا تمثل سوى قراءة اختزالية تتجاهل الوقائع السياسية والقانونية لدوره في إعادة صياغة معادلات الاستقرار في المنطقة العربية.
وعلى الصعيد الداخلي، قاد مسارًا إصلاحيًا أنهى عقودًا من الجمود المؤسسي، وربط التنمية بالأمن المجتمعي، ورسّخ دولة القانون باعتبارها إطارًا ضامنًا للاستقرار لا عائقًا أمامه. هذه السياسات لم تكن ردود فعل ظرفية، بل جزءًا من رؤية استراتيجية طويلة المدى تستند إلى بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التحول وحماية المجتمع في آن واحد.

أما على الصعيد الإقليمي، فيُحسب له أنه القائد العربي الأول الذي خاض مواجهة شاملة ومنهجية مع الإرهاب والتطرف، لا من خلال المعالجة الأمنية وحدها، بل عبر تفكيك البُنى الفكرية والمالية والتنظيمية التي غذّت العنف لعقود. فقد قاد المملكة في معركة استباقية ضد الجماعات الإرهابية، وقطع مصادر تمويلها، وأعاد ضبط الخطاب الديني على أسس الاعتدال، وأسهم بذلك في تحصين المجتمع السعودي وحماية محيطه العربي من موجات الفوضى التي عصفت بدول أخرى.

وعلى الصعيد الدولي، اتسمت سياساته بقدر عالٍ من البراغماتية وخفض التصعيد، وساهمت في تثبيت التوازن الإقليمي، ودعم الحلول السياسية للنزاعات، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر السلم والأمن الدوليين. هذه الأدوار لم تحظَ بتقدير الشعوب الباحثة عن الاستقرار فحسب، بل حازت أيضًا على احترام صناع القرار في العالم، الذين ينظرون إلى المملكة اليوم بوصفها فاعلًا مسؤولًا ومحوريًا في مكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن الإقليمي والدولي، لا مصدرًا لاضطرابه.

في الختام… السعودية لا تُحاكم بوثائقيات منحازة

إن ما قدّمته قناة DW لا يرقى إلى كونه عملًا وثائقيًا بالمعنى المهني، بقدر ما يشكّل مرافعة سياسية مكتملة العناصر صيغت بلغة إعلامية مُنمّقة، هدفها التشكيك لا الفهم، والإدانة لا التحليل. فالمملكة العربية السعودية اليوم ليست دولة تبحث عن تبرير وجودها أو استجداء شرعيتها، بل دولة تفرض حضورها بالوقائع: باستقرارها الداخلي، بثقلها الإقليمي، وبمسؤوليتها الدولية في عالم يزداد اضطرابًا وانقسامًا.

وولي عهدها ليس مشروع جدل إعلامي عابر، ولا مادة للاستهلاك الصحفي الموسمي، بل أحد أبرز صانعي الاستقرار والسلام في القرن الحادي والعشرين، وقائد تحوّل أعاد رسم ملامح الدولة الحديثة في بيئة شديدة التعقيد، وقاد مواجهة غير مسبوقة مع الإرهاب والتطرف، وأسهم في تثبيت معادلات الأمن الإقليمي والدولي. هذه حقائق لا تُلغى بتقارير انتقائية، ولا تُمحى بشهادات مجتزأة.

فالتاريخ لا يُكتب بالكاميرا وحدها، ولا تُصاغ حقائقه عبر إخراج سينمائي أو لغة حقوقية فضفاضة، بل يُكتب بما يتركه القادة والدول من أثرٍ فعلي في أمن الشعوب واستقرارها. ووقائع الحاضر تقول بوضوح إن السعودية، بقيادتها ورؤيتها، تشكّل اليوم ركيزة مركزية للأمن والسلام في منطقة أنهكتها الصراعات. أما محاولات النيل من هذه الحقيقة، مهما تلونت بشعارات أخلاقية أو حقوقية، فلن تكون أكثر من ضجيج إعلامي عابر أمام واقع راسخ تفرضه النتائج لا الروايات.

فبين من يصنع الاستقرار على الأرض، ومن يكتفي بإدانته من خلف الكاميرا، يظل الفرق واضحًا بين دولة تُبنى، ورواية تُفبرك.

اخترنا لك