
كاتب وخبير في الشؤون الدولية
لم ينكر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مؤتمره الصحافي إرادة الولايات المتحدة الأميركية السيطرة على النفط الفنزويلي الذي يعتبر انه “سُرق” من الأميركيين!
كما لم ينكر ترامب إرادته في عملية “الحزم التام”، التي شاركت بها 250 طائرة عسكرية، تحقيق المصالح الأميركية في العالم وفي المنطقة الحيوية المحيطة بها! وهو هدد بالاستمرار بالعمليات العسكرية إذا ما ذعت الحاجة!
وقد تشهد فنزويلا في الساعات المقبلة تكريس ديلسي رودريغيز نائبة الرئيس في فنزويلا رئيسة للبلاد، خلفاً للرئيس الفنزويلي الموقوف نيكولاس مادورو.
فالدستور الفنزويلي هو في صالحها، والجيش الفنزويلي هو الى جانبها، والمعارضة مشتتة، وقياداتها في الخارج حتى الآن!
والبرلمان الفنزويلي الحالي “الجمعية الوطنية” الذي تم انتخابه في عام 2020 وتستمر ولايته حتى عام 2026، تسيطر عليه أغلبية ساحقة من الحزب الاشتراكي الموحد “حزب مادورو” والقوى المتحالفة معه.
تريد الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب تغيير النظام في فنزويلا، وليس فقط توقيف الرئيس مادورو. وهذا يفترض حرباً عسكرية لا تنتهي في أيام، ولا حتى في شهور!
والعملية العسكرية “المحدودة” قد تكون مجرد إشعال لفتيل صاعق التفجير لحرب قد تطول، إذا ما بدأت! والرئيس ترامب يعتبر أن الولايات المتحدة جاهزة لذلك!
ولا شك أن الرئيس الاميركي دونالد ترامب، الذي يهدف من العملية الى وضع يد الولايات المتحدة الأميركية على أكبر كمية من احتياط النفط في العالم، يرغب في “تعيين” رئيس لفنزويلا موالٍ له، أي إما ماريا كوتينا ماتشادو وإما إدموندو غونزاليس أوروتيا… أو حتى خوان غويدو، أو غيرهم!
ولكن غونزاليس في إسبانيا وماتشادو في أوروبا. وعودتهما على طائرة F35 أو على ظهر بارجة أو دبابة اميركية صعبة بعض الشيء!
مع التذكير أن الاعتراف الاميركي في السابق برئاسة غونزاليس، وبفوزه في الانتخابات الرئاسية في العام 2024 لم تغير شيئاً في الواقع!
تهديد إيران ونهج للأقوياء وسقوط الأوروبيين
يحمل العام 2026 حروباً بهدف السلام! وهو يكرس نهج الأقوياء في الدول العظمى.
هذا النهج اعتمده الأميركيون في السابق في بنما “1989” بتدخل عسكري مباشر “عملية القضية العادلة” لإسقاط واعتقال الرئيس مانويل نورييغا. وكان السبب… اتهامه بتجارة المخدرات! بالإضافة الى تهديد أمن قناة بنما.
وكان هناك قبل ذلك عملية التشيلي، حين دعمت واشنطن في العام 1973 انقلاباً عسكرياً دموياً بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه ضد الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور أليندي. وكان السبب تخوف واشنطن من تحول تشيلي إلى “كوبا ثانية” بعد تأميم أليندي لشركات النحاس الأميركية.
وتعني العملية في فنزويلا اليوم، أن القوى العظمى الثلاثة “الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا” هي أعلى منزلة من باقي العالم.
وهي قادرة على تحقيق مصالحها بالقوة، ومن دون القدرة على منعها من ذلك! وكما الولايات المتحدة، هناك الحرب الروسية – الأوكرانية، ومصالح الصين في تايوان والمحيط الهندي.
لا بل إن هذه الدول العظمى قادرة على تعطيل مجلس الأمن تحقيقاً لمصالحها! وهي بالتأكيد، ليست في مواجهة “عسكرية” مع بعضها البعض! ويمكنها بلقاءات ثنائية اختصار القرار الدولي والأممي!
في غزة، جرى اغتيال القانون الدولي. حيث فشل مجلس الأمن في تحقيق وقف لإطلاق النار على الأقل.
واستمر الحال على ذلك حتى بادر الرئيس ترامب وجرى توقيع الاتفاق في قمة شرم الشيخ. ولم تنتهِ الحرب في غزة بعد!
ما جرى في فنزويلا يؤشر مباشرة الى إمكانية العمل العسكري لتغيير نظام “الحرس الثوري” و”الثورة الاسلامية” في إيران. ويمكن استشعار ضربة عسكرية لإيران خلال هذا العام الجديد! بالإضافة الى ضرب اسرائيل لحزب الله!
وقد تكون جزيرة غرينلاند “الدانمركية”، أكبر جزر العالم هي هدف الرئيس ترامب المقبل، ولو بالضغط العسكري المتخفي بالسياسي!
أكبر الخاسرين في عملية فنزويلا هو الاتحاد الأوروبي “العاجز”! فهو لا يسعه سوى الاستنكار! وهو يطمح “بعجز” لإنشاء جيش أوروبي، خارج عن الناتو وعن “السلام الأميركي” لأوروبا!
وتكتفي دول أوروبا الغربية الكبرى بالجلوس على مقاعد الاحتياط في لعبة “الكبار”!
يعترضون ويستنكرون ويكملون الطريق السياسي عاجزين عن حل أي مشكلة، خاضعين لإملاءات الرئيس ترامب في النهاية!
الوضع المؤسسي يحمي النظام في فنزويلا
بدأ النظام الاشتراكي في فنزويلا، المعروف بـ “الثورة البوليفارية”، تدريجياً مع وصول هوغو شافيز إلى السلطة في نهاية العام 1998. وقام بتكريسه في العام 2005!
وبعد شافيز، استمر به نيكولاس مادورو. وقد تستمر به ديلسي رودريغيز عما قريب.
وهذا هو الوضع البرلماني والمؤسسي في ظل أحداث اليوم (3 كانون الثاني/يناير 2026):
1. السيطرة على البرلمان:
يرأس البرلمان حالياً خورخي رودريغيز، وهو أحد أقوى حلفاء مادورو ومن صقور النظام.
وكانت المعارضة الرئيسية قد قاطعت انتخابات 2020، مما جعل البرلمان “موالياً” بالكامل تقريباً للسلطة التنفيذية.
اليوم، يُعتبر البرلمان أحد القلاع المؤسسية التي قد ترفض الاعتراف بالعملية الأميركية، وقد يصدر تشريعات تدين “الغزو” وتؤكد شرعية استمرار النظام.
2. ميزان القوى المؤسسي
على الرغم من اعتقال مادورو، إلا أن هيكل السلطة الذي بناه لا يزال قائماً في كاراكاس:
– الجمعية الوطنية: مؤيدة لمادورو.
– المحكمة العليا: جميع قضاتها موالون للنظام.
– الجيش: لا يزال وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز يعلن الولاء لـ “الثورة البوليفارية” حتى اللحظة، رغم الضغوط.
3. من يدير البلاد الآن؟
بموجب الدستور الفنزويلي، وفي ظل غياب الرئيس، تتولى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز “شقيقة رئيس البرلمان” السلطة مؤقتاً.
وكانت ديلسي رودريغيز قد أصدرت بياناً قبل قليل طالبت فيه “بإثبات أن مادورو وزوجته على قيد الحياة”، مما يشير إلى أن الجناح الموالي لمادورو يحاول التماسك داخل المؤسسات “البرلمان والرئاسة” لمواجهة الفراغ.
4. التحدي القانوني والسياسي
المعضلة التي تواجهها واشنطن والمعارضة (ماتشادو وغونزاليس) هي أن البرلمان “الموالي” لن يعترف بسهولة بأي حكومة انتقالية، مما قد يؤدي إلى حالة “رأسين للسلطة” من جديد، أو مواجهة قانونية بين البرلمان الحالي وبين “الشرعية الدولية” التي يمثلها إدموندو غونزاليس.
ومن غير المرجح أن يوافق البرلمان الحالي على تسليم السلطة لغونزاليس أو لماتشادو بضغط من الجيش، بل هو على الأرجح سينصب ديلسي رودريغيز رئيسة دائمة للبلاد!
هل تتحول فنزويلا الى مستنقع سياسي وعسكري للرئيس ترامب؟! أم ينجح ترامب في ترويض النظام بأسرع وقت ممكن؟
في الواقع، إن نجاح عملية اعتقال مادورو ليست مؤشراً لنهاية العمليات العسكرية في فنزويلا! بل هي على العكس مؤشر لبداياتها!