ترامب شارك خامنئي وقاسم ذكرى سليماني

في منتهى الجدّ

بقلم أحمد عياش

اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس واقعة اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني مثلًا عما يمكن ان تقوم به الولايات المتحدة. وأتى هذا المثل في مستهل المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس ترامب للإعلان عن تفاصيل العملية العسكرية التي نفذها الجيش الأميركي لإلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. فقال: “إن الهجوم مثل الذي استهدف سليماني والبغدادي وتدمير المنشآت النووية الإيرانية مؤخرًا …”

وفي الوقت نفسه تمامًا، أطل الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في رسالة مسجلة بثها تلفزيون “المنار” في الذكرى السادسة لاغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس. وروى قاسم في كلمته “العلاقة المميزة” التي كانت تجمع سليماني بسلفه الأمين العام للحزب حسن نصرالله. وقال: “أذكر أنه قبل شهادته (سليماني) بيوم، عندما أتى من سوريا إلى لبنان، أتى فقط من أجل أن يسلّم على سماحة السيد، ثم بعد ذلك ذهب إلى ‏سوريا، واغتالته أميركا (ترامب) في العراق في المطار”‎.

وقبل الرئيس ترامب والشيخ قاسم، كانت للمرشد الإيراني علي خامنئي إطلالة تعهد فيها بعدم الخضوع بعد أن هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل لمساعدة المحتجين، وذلك في الوقت الذي أفادت فيه جماعات حقوقية بارتفاع حاد في عدد المعتقلين بعد اضطرابات لأيام أثارها ارتفاع التضخم.

وقال خامنئي في مقطع مسجل بثه التلفزيون أمس السبت إن الجمهورية الإسلامية “لن تخضع للعدو”، وأضاف أن مثيري الشغب يجب “وضع حد لتصرفاتهم”.

وكان ترامب أعلن في اليوم السابق أن الولايات المتحدة “جاهزة ومستعدة”، لكنه لم يحدد الإجراء الذي قد تتخذه ضد إيران.

وهكذا، أطل في يوم واحد الرئيس الأميركي والمرشد الإيراني والأمين العام لـ”حزب الله”. وتبيّن أن أمس كان الثالث من كانون الثاني، أي في اليوم نفسه الذي استهدفت فيه الصواريخ الأميركية موكب سليماني بعد هبوط طائرته في مطار بغداد قبل ستة أعوام.

إذًا، يمثل 3 كانون الثاني 2026 يومًا مشهودًا في المنطقة والعالم. ففي هذا اليوم، أي البارحة، كان العالم مذهولًا وهو يتابع الأنباء حول اعتقال الجيش الأميركي الرئيس الفنزويلي الذي كان طوال مسيرته الرئاسية منذ توليه السلطة في بلاده عام 2013 مشاكسًا للولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا اليوم أيضًا، كان حكام ايران المحافظون يراجعون الحسابات بعد الإنذار الذي وجهه اليهم الرئيس الأميركي. وجاء الإنذار الأميركي، كما تقول الفايننشال تايمز في وقت “تتفجّر احتجاجات واسعة في إيران بعد إغلاق تجّار في طهران محالّهم اعتراضاً على انهيار العملة وارتفاع الأسعار، قبل أن تمتد إلى “البازار الكبير” والجامعات ومدن أخرى وسط تصاعد الغضب من تدهور مستوى المعيشة.

وفي تقرير للصحيفة من طهران، تُظهر هذه الموجة كيف باتت أجندة الرئيس مسعود بزشكيان الإصلاحية أمام اختبار حاسم بين محاولات التهدئة وتشديد الإجراءات الأمنية، فيما يشتد الضغط الاقتصادي بفعل العقوبات وتراجع الإيرادات وتضخم تجاوز 40%.

ويبقى في هذا اليوم اطلالة نعيم قاسم، الذي على ما يبدو سجّل كلمته في مقرّه السري قبل أن يتسنى له متابعة ما حلّ بحليف إيران الفنزويلي، فجاءت كلمته خالية تمامًا من الإشارة الى مصير مادورو. ويستطيع المرء أن يدرك حجم القلق الذي يراود خليفة نصرالله وهو يشاهد ما حلّ بالهلال الإيراني من مصائب، ومن بينها ما لحق بـ”حزب الله” من خسائر في الحرب الإسرائيلية عام 2024، ولا يزال هناك الكثير من الخسائر المحتملة بعد القرار الأميركي الإسرائيلي المشترك بتصفية الحزب.

في أي حال، سد “حزب الله” ثغرة كلمة قاسم الخالية من الإشارة الى سقوط مادورو، فأصدر بيانًا استنكر فيه “العدوان الإرهابي والبلطجة الأميركية ضد جمهورية ‏فنزويلا”، مؤكدًا “تضامنه الكامل مع فنزويلا، شعبًا ورئاسة وحكومة، في مواجهة هذه العدوانية ‏والغطرسة الأميركية”.

يتبادر الى الذهن أن تضامن “حزب الله” مع مادورو سيترجمه جماعة الحزب في فنزويلا حيث قيل الكثير عن نفوذهم هناك. وقد نشرت وكالة أنباء عربية في 6 تشرين الماضي نقلًا عن مصادر دبلوماسية لبنانية، “إن ميليشيا “حزب الله” عملت على توسيع دائرة نشاطها القائم على “معاملات سوداء” في فنزويلا، تتنوع بين غسل الأموال وتصنيع وتهريب المخدرات “الكوكايين” و”الكبتاغون”، من خلال تكثيف حضورها بجلب شباب منتمين لحاضنتها الشعبية من بيروت إلى كراكاس، رغم التوتر الذي يحيط بـ “فنزويلا” وارتفاع احتمالات تعرض البلاد لضربة أميركية”.

وأوضحت المصادر في تصريحات لـ”إرم نيوز”،” أن هناك 4 عائلات لبنانية من حاضنة “حزب الله” أثبتت وجودها وحضورها خلال العقود الأخيرة ولها صلات تعاون مباشرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية مع نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وترى أن التوتر الجاري في كراكاس من المهم استغلاله لتكوين قاعدة أكبر للحزب في دولة سيكون لها تأثير كبير في صراعات المحاور، بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى”.

من ناحيته ، تابع امس وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي أوضاع الجالية اللبنانية في فنزويلا، غير آبه للانتماءات السياسية لابناء الجالية، فأجرى اتصالًا هاتفيًا بسفيرة لبنان هناك نسرين بو كرم، اطمأن خلاله على أحوال اللبنانيين المقيمين في البلاد.ووجّه الوزير رجي السفيرة إلى متابعة أوضاع أبناء الجالية عن كثب، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتأمين حمايتهم في حال حدوث أي طارئ.

من طهران الى الضاحية الجنوبية، بدأ عمليًا الحداد الرسمي على الفقيد الجديد في محور الممانعة. واذا كان 3 كانون الثاني 2026 هو الذكرى السادسة لاغتيال سليماني، لم يجد ترامب حرجًا في أن يشارك في أحزان المحور لكن من قبيل التذكير بأنّ ما حلّ أمس بمادورو، وقبل ذلك بسليماني، هو ممكن أن يطال خامنئي في طهران وقاسم في الضاحية.

اخترنا لك