نكون أو نُسحَق : بين حرِّيّة لا تمسّ وقضبان تأكل أصحابها

خاص بوابة بيروت

البَقَاءُ لَيْسَ حَقًّا… إِلَّا لِمَنْ يَخْتَارُ الحُرِّيَّة، فلَيْسَ البَقَاءُ مَجَرَّدَ اسْتِمْرَارٍ فِي التَّنَفُّسِ، بَلْ هُوَ فِعْلُ اخْتِيَارٍ أَخْلَاقِيٍّ، إِمَّا حَيَاةٌ تُعَاشُ فِي النُّورِ، أَوْ عُمْرٌ يُقْضَى خَلفَ القُضْبَانِ. هُنَا، لَا نُواجِهُ سِيَاسَةً فَقَط، بَلْ مِحْنَةَ الوُجُودِ نَفْسِهَا. هُنَا، يَنْقَلِبُ السُّؤَالُ الشِّكْسْبِيرِيُّ مِنْ شِعْرٍ إِلَى قَرَارٍ: نَكُونُ أَوْ لَا نَكُونُ؟

إنّ استعمال الدُّسْتُورُ كَقَنَاعٍ لِسَلْخِ الأَرْض، من خلال إِصْدَارُ المَجْلِسِ الِانْتِقَالِيِّ الجَنُوبِيِّ إِعْلَانًا دُسْتُورِيًّا لِقِيَامِ «دَوْلَةِ الجَنُوبِ العَرَبِيِّ» وَعَاصِمَتِهَا عَدَن، لَيْسَ وَلَادَةَ دَوْلَةٍ، بَلْ تَثْبِيتُ شَقٍّ فِي الجُغْرَافْيَا، وَتَشْرِيعُ فِصَامٍ فِي الوُجُودِ. الدُّسْتُورُ هُنَا لَا يَحْمِي الحُرِّيَّةَ؛ بَلْ يُقَنِّنُ الِانْفِصَالَ.

ومُقَايَضَةُ السِّيَادَة مُقابلَ طَلَبُ الِاعْتِرَافِ الإِسْرَائِيلِيِّ بقَاعِدَة عَسْكَرِيَّةٍ فِي باب المندب، والتَّطبيعِ لَيْسَ دِبْلُومَاسِيَّةً، بَلْ بَيْعُ سِيَادَةٍ بِأَجَلٍ قَصِيرٍ. هُنَا، تُقَايَضُ الحُرِّيَّةُ بِأَمْنٍ مُؤَقَّتٍ، وَتُسَلَّمُ الأَرْضُ لِمَنْ يَسْتَخْدِمُهَا مَمَرًّا لِمَصَالِحِهِ.

خَرَائِطُ التَّفَتُّت تعزًزُ شَبَكَةُ النُّفُوذِ التي لَا تَعْرِفُ الحُدُود، وذلك مِن خِلالِ دَهاءِ تَمَدُّدُ المَصَالِحِ الإِسْرَائِيلِيَّةِ، بِتَنْسِيقٍ وَاضِحٍ مَعَ الإِمَارَاتِ وَعَبْرَ الِانْفِصَالِيِّينَ، يَتَكَرَّسُ فِي جنوب اليمن وَأرض الصومال، وَالسُّوَيْدَاءِ، وَشَمَالِ لِيبْيَا، وَ السُّودَانِ. لَيْسَ هٰذَا تَوَسُّعًا جُغْرَافِيًّا فَقَط، بَلْ تَفْتِيتُ الإِنْسَانِ إِلَى أَدَوَاتٍ. وتَثبيتٌ للنّظرَةِ النّتَانياهويّة التي أطلَقَها في كِتابِه؛ “أمّةٌ تحتَ الشّمسِ” في العام ١٩٩٣، لِيُكَرِّسها بعدَهُ الفيلسوف صموئيل هنتنغتون في كِتابِهِ، “صراعُ الحَضَارات” في العامِ ١٩٩٦.

وَحْدَهُ قَدَاسَةُ البابا يوحنا بولس الثاني دَحَضَ هٰذِهِ الأَفْكَارَ كُلَّهَا، بِنَظَرِيَّتِهِ العَمِيقَةِ حَوْلَ لبنان التَّعَدُّدِيِّ، عِنْدَمَا أَطْلَقَ مَبْدَأَ «لُبْنَانَ الرِّسَالَةِ».

لُبْنَانُ لَمْ يَكُنْ فِكْرَةً عَابِرَةً فِي خِطَابٍ، وَلَا صِيغَةً دِبْلُومَاسِيَّةً بَارِدَةً، بَلْ كَانَ نَبْضًا حَيًّا، وَوَعْدًا تَارِيخِيًّا، وَنِعْمَةً مُنْزَلَةً فِي جُغْرَافْيَا تَتَّسِعُ لِلِاخْتِلَافِ كَمَا تَتَّسِعُ لِلحُرِّيَّةِ.

وَالمُؤْسِفُ فِي تِلْكَ البَانُورَامَا الحَضَارِيَّةِ، أَنَّ بَعْضَ اللُّبْنَانِيِّينَ لَمْ يَحْمُوا النِّعْمَةَ، بَلْ كَسَرُوهَا، لَمْ يَصُونُوا الرِّسَالَةَ، بَلْ بَاعُوهَا، دَمَّرُوهَا بِعَمَالَتِهِمْ لسوريا وإيران، فَاسْتَبْدَلُوا الرِّسَالَةَ بِالمِحْوَرِ، وَالحُرِّيَّةَ بِالقَيْدِ، وَالنُّورَ بِالظِّلِّ.

وَاليَوْمَ، بَعْدَ سُقُوطِ سُورِيَا، وَإِيرَانَ الَّتِي تَلْفِظُ أَنْفَاسَهَا الأَخِيرَةَ كَنِظَامٍ لَا كَدَوْلَةٍ، يَعُودُ البابا لاوون الرابع عشر، لِيُطْلِقَ نَظَرِيَّةَ «لبنان السلام».

سَلَامٌ لَيْسَ اسْتِسْلَامًا، وَلَا تَسْوِيَةً رَمَادِيَّةً، بَلْ خِيَارًا أَبْيَضَ وَاضِحَ المَعَالِمِ فِي زَمَنٍ لَا يَرْحَمُ الرَّمَادِيِّينَ.

وَالأَمَلُ، كُلُّ الأَمَلِ، أَلَّا تُضَيَّعَ هٰذِهِ الفُرْصَةُ كَمَا ضَاعَتْ سَابِقَاتُهَا، عَلَى أَيْدِي أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يُصِرُّونَ عَلَى الرَّمَادِيَّةِ السِّيَاسِيَّةِ، فِي زَمَنٍ يَطْغَى فِيهِ الأَبْيَضُ عَلَى الأَسْوَدِ، وَيَفْضَحُ فِيهِ الوُضُوحُ كُلَّ تَرَدُّدٍ.ِ

نَّهُ زَمَنُ الفَصْلِ لَا الوَصْلِ، زَمَنُ الاِخْتِيَارِ لَا الاِنْتِظَارِ، زَمَنُ لُبْنَانَ إِمَّا رِسَالَةً وَسَلَامًا، وَإِمَّا سَاحَةً مُسْتَبَاحَةً تَأْكُلُهَا الرِّمَادِيَّةُ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الهَشِيمَ. وَهُوَ أَيْضًا زَمَنُ أُفُولِ الأَوْهَامِ الكُبْرَى:

  • زَمَنُ مَوْتِ يَسَارٍ مُنْحَرِفٍ خَانَ الإِنْسَانَ بِاسْمِ الإِنْسَانِ، وَاسْتَبْدَلَ العَدَالَةَ بِالعُنْفِ، وَالحُرِّيَّةَ بِالعَقِيدَةِ العَمْيَاءِ.
  • زَمَنُ اِنْكِسَارِ أُصُولِيَّةٍ إِسْلَامِيَّةٍ حَوَّلَتِ الإِيمَانَ إِلَى سِكِّينٍ، وَالدِّينَ إِلَى قَفَصٍ، وَاللّٰهَ إِلَى شِعَارٍ فَوْقَ فُوَّهَةِ بُنْدُقِيَّة.

كِلَاهُمَا سَقَطَا لِأَنَّهُمَا عَادَيَا الحَيَاةَ:هٰذَا قَتَلَهَا بِاسْمِ الثَّوْرَةِ، وَذَاكَ خَنَقَهَا بِاسْمِ المُقَدَّسِ. وَلِأَنَّ لُبْنَانَ لَا يَحْيَا إِلَّا فِي النُّورِ، وَلَا يَقْدَرُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي عَتَمَةِ الإِيدِيُولُوجِيَّاتِ المَيِّتَةِ، فَهُوَ اليَوْمَ مَدْعُوٌّ أَنْ يَخْتَارَ، إِمَّا الحَيَاةَ بِكُلِّ مَخَاطِرِهَا، وَإِمَّا المَوْتَ المُقَنَّعَ بِشِعَارٍ، أَيًّا كَانَ لَوْنُهُ أَوْ لُغَتُه.

أمَّا عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الخَوْفُ إِلَى عَقِيدَة فِي مُقَابِلِ عَالَمٍ يَتَغَيَّرُ، فيَخْرُجُ مَشايخُ وأئمَّةُ السّلاحِ يُهَدِّدُون بِالقَتْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَعِدُون بِسِلَاحٍ أَبَدِيٍّ حَتَّى ظُهُورِ مَهْدِيٍّ مُؤَجَّلٍ. هٰذِهِ لَيْسَتْ مُقَاوَمَةً، بَلْ تَجْلِيدُ الحَيَاةِ وَتَأْبِيدُ المَوْتِ.

لكن نحنُ نَعمَلُ بصَمتٍ لأنّهُ حِينَ يَتَكَلَّمُ الفِعْلُ وَيَسْقُطُ الضَّجِيج يًًَموتُ العَمَلُ بِصَمتٍ. ومَنْ يُرِيدُ الفِعْلَ، يَعْمَلُ بِصَمْتٍ. والصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ خَوْفًا، بَلْ عَقيدَةُ تَركِيزٍ. نَعْمَلُ بِصَمْتٍ إِكْرَامًا لِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ، وَوَفَاءً لِشَعْبٍ يُحِبُّ الحَيَاةَ وَيَرْفُضُ ثَقَافَةَ المَوْتِ. وَهَا هُمْ يَتَسَاقَطُونَ، وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، لِأَنَّ مَنْ يَضَعُ الحُرِّيَّةَ خَلْفَ القُضْبَانِ يَحْكُمُ عَلَى نَفْسِهِ بِالزَّوَالِ.

لَا خَوْفَ لأنَّ وُجُودَ الحُرِّيَّةِ يَنْفِي مَسَّ الشَّرِّ. فاللّٰهُ خَلَقَنَا أَحْرَارًا، وَالأَحْرَارُ لَا يُمْتَلَكُونَ. الخَوْفُ لَيْسَ قَدَرًا؛ هُوَ اخْتِيَارُ العَبِيدِ. أَمَّا مَنْ اخْتَارَ النُّورَ، فَقَدْ اخْتَارَ وُجُودًا لَا يُمَسُّ.

نَكُونُ فَلَا نُمسّ… أَوْ نُمسّ فَلَا نَكُونُ: علينَا أن نختارَ، وَبِصَمتٍ أيضًا. هٰذَا زَمَنُ الحَسْمِ. لَا مَسَاحَةَ لِلتَّرَدُّدِ، وَلَا رَحْمَةَ لِلوَهْمِ. مَنْ يَقْبَلُ القُضْبَانَ يَتَعَلَّمُ لُغَةَ الزَّوَالِ، وَمَنْ يَخْتَارُ الحُرِّيَّةَ يَتَعَلَّمُ لُغَةَ البَقَاءِ. والخَيارُ مَا بينَ اثنينِ لا ثالثَ وسطَهما:

  • نَكُونُ، حِينَ نَخْتَارُ النُّورَ، فَلَا يُمَسُّ وُجُودُنَا.
  • لَا نَكُونُ، حِينَ نَرْضَى أَنْ نُمسّ، فَنَفْنَى وَنَسْقُطُ مِنَ التَّارِيخِ.

وَلِذٰلِكَ نَقُولُهَا لَازِمَةً من وحي الآية ١٨ من الفصل ٥ من رسالة يوحنا الأولى ، لَا تَعْزِيَةً، بَلْ تَهْدِيدًا لِكُلِّ مَنْ يَرْفَعُ سُبابَتَهُ عَلَى الحُرِّيَّةِ: «ٱلَّذِي وُلِدَ مِنَ ٱللَّهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَٱلشِّرِّيرُ لَا يَمَسُّهُ.»

اخترنا لك