إيران : إعدامات واسعة في الأفق وانتفاضة لا يمكن احتواؤها

خاص بوابة بيروت

إن موقف غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية التابعة لخامنئي، الذي أُعلن اليوم، لا يمكن اعتباره تصريحًا عابرًا أو آنياً، بل يجب فهمه على أنه إعلان رسمي عن دخول النظام مرحلة القمع النهائي والاستباقي للانتفاضة. ويبدو أن المنطق الذي اعتمده النظام في مدينة ملك‌شاهي “محافظة إیلام” حين واجه التظاهرات السلمية للمواطنين بالرشاشات الثقيلة “الدوشكا” وأغرق المدينة بالدماء وسقط على إثره عشرات القتلى والجرحی، سيشكّل الدليل العملي لعمل الجهاز القضائي الإجرامي.

إيجئي، وهو جلاد يُعدّ من أبرز المتورطين في مجزرة إعدام ثلاثين ألف سجين سياسي عام 1988، نقل اليوم توجيهات خامنئي مستخدمًا عبارات من قبيل: «التعامل القانوني والحاسم»، «عدم إبداء أي تساهل»، «البتّ الفوري»، «تحديد القادة والعناصر التي تقف خلف الكواليس»، و«تخصيص دوائر قضائية خاصة».

وهي لغة تستحضر بوضوح خطاب القمع في ثمانينيات القرن الماضي، وخطاب أسد الله لاجوردي تحديدًا؛ ذلك الخطاب الذي كان مقدمة للإعدامات الجماعية والتصفية الجسدية لمجاهدي خلق والمناضلين.

هذا الموقف ليس سوى ترجمة تنفيذية لموقف خامنئي قبل يومين. فقد رسم خامنئي الخط العام عبر تهديد مباشر للمتظاهرين والتحذير من «الشغب»، فيما كُلّف إيجئي بتحويل هذا الخط السياسي إلى آلية قضائية. وفي هذا الإطار، لا تعود السلطة القضائية جهةً للفصل والعدالة، بل تتحول إلى أداة لتنفيذ القرار الأمني والسياسي للنظام.

ولإزالة أي لبس، صرّح رئيس قضاء خامنئي اليوم بأن الأساس الذي ستعمل وفقه محاكمه لقمع المنتفضين هو الخط الذي ستحدده وزارة المخابرات واستخبارات الحرس. وقال حرفيًا: «على المدعي العام والمدّعين في عموم البلاد، وبمساعدة أجهزة الاستخبارات، تحديد العناصر الرئيسية وتلك التي تقف خلف كواليس أعمال الشغب».

المفتاح المركزي في خطاب إيجئي هو مصطلح «القائد». والتجربة التاريخية لنظام الملالي تُظهر أن هذا المصطلح لا يُستخدم أبدًا بمعناه الضيق أو الكلاسيكي “أي القائد العلني أو المنظّم الرسمي”.

ففي المنطق الأمني للنظام، يشمل «القائد» كل فرد أو نواة تقوم بأحد الأدوار التالية:

• أداء دور مُلهِم أو منظِّم أو مُسهم في استمرارية الاحتجاجات؛
• امتلاك القدرة على ربط الاحتجاجات المتفرقة ضمن مسار هادف؛
• أو التحول إلى رمز للمقاومة، حتى من دون سلاح أو بنية تنظيمية علنية.

وبناءً على ذلك، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن المقصود الأساسي بـ«القادة» في أدبيات السلطة الحالية هم أعضاء وأنصار وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. وكما كان الحال في ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان مجرد «الموقف» أو «الانتماء الفكري» كافيًا لإصدار حكم الإعدام، فإن الخطر قائم اليوم بأن يُعتبر الدور الميداني أو حتى الرمزي للأفراد «قيادةً لأعمال الشغب».

إن تشديد إيجئي على تسريع المحاكمات وتجنّب «التباطؤ» في إصدار الأحكام يُعدّ مؤشرًا مقلقًا على استعداد الجهاز القضائي التابع لخامنئي لإصدار أحكام قاسية، بما فيها الإعدام، بأدنى حد من الإجراءات القضائية. وهذا هو بالضبط النموذج الذي طبّقه أسد الله لاجوردي في السنوات الأولى من عقد الثمانينيات، والذي انتهى في صيف عام 1988 إلى مجزرة عشرات الآلاف من السجناء السياسيين، غالبيتهم من أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق.

وخلاصة القول، إن الموقف الأخير للسلطة القضائية يشكّل جرس إنذار خطيرًا لاحتمال تكرار سيناريو قمع دموي, سيناريو لا يهدف فقط إلى احتواء الاحتجاجات، بل إلى توجيه ضربة للعمود الفقري المنظَّم للانتفاضة وبث الرعب عبر إعدامات رادعة. وهو ما يضاعف المسؤولية العاجلة الملقاة على عاتق المؤسسات الدولية، والرأي العام، والقوى السياسية، لمنع ارتكاب جريمة جديدة ضد الإنسانية.

ومع کل ذلك، لا بد من التأكيد على أن أي قمعٍ أسود في الظروف الراهنة لن يكون إلا كصبّ البنزين على نيران الانتفاضة، وأن القمع “مهما بلغ مداه” لن يكون قادرًا بعد اليوم على احتواء انتفاضةٍ تقتلع النظام من جذوره.

اخترنا لك