خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
دون شك، ما نشهده اليوم من فجاجة في سياسات الدول لم يعد بحاجة إلى تبرير. لم تعد هذه السياسات تراعي القيم أو الأخلاق، ولا حتى ذلك الضمير الإنساني الذي طالما استُخدم كشعار في الخطابات الدولية. فسياسة الدول الكبرى تُبنى على المصالح، وما ينتج عنها من حروب ودمار لم يعد يتطلب أي غطاء أخلاقي أو قانوني. نحن نعيش في عالمٍ يحكمه القوي، أما الضعيف فلا حياة له فيه.
في هذا العالم، يسود القوي، ويتحوّل الضعيف إلى تابع، بل إلى عبدٍ لمن يمتلك القوة والاقتصاد. لم يعد ميزان العدالة حاضرًا، بل حلّ مكانه ميزان المصالح. الولايات المتحدة، التي كانت تنادي بالقيم والأخلاق وتحاسب الآخرين عليها، لم تعد اليوم تؤمن بهذه المبادئ في ممارساتها السياسية، ولا ترى نفسها مضطرة لتبرير تدخلها في شؤون الدول أو تغيير أنظمتها بالقوة متى رأت ذلك مناسبًا.
اليوم، تبحث الدول الكبرى عن مصادر الطاقة في كل بقاع العالم، لأن الطاقة هي عصب الاقتصاد وأساس الهيمنة. النفط، الغاز، المعادن، المياه، والثروات الطبيعية أصبحت أهم من أي كيان لدولة أو حياة لمواطن. ومن هنا، لم تعد الحروب تُخاض من أجل الشعوب، بل من أجل خطوط الإمداد، وخرائط النفوذ، وأسواق الطاقة.
تلعب الممرات البحرية دورًا محوريًا في هذا الصراع؛ فمضائق مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس لم تعد مجرد طرق ملاحة، بل تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجية. السيطرة على هذه الممرات تعني التحكم في حركة التجارة والطاقة عالميًا. ولهذا، تحتل دول الخليج موقعًا بالغ الحساسية، إذ تجمع بين الثروة النفطية والموقع الجغرافي المؤثر، ما يجعلها في قلب التوازنات الدولية، ومحل اهتمام دائم من الولايات المتحدة التي ترى في استقرار تدفق الطاقة ضمانًا لبقائها في قمة الهرم الاقتصادي.
في المقابل، جاء طريق الحرير الاقتصادي الذي تقوده الصين ليكشف حجم الصراع الحقيقي على قيادة النظام العالمي. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى ربط الأسواق، بل إلى كسر الهيمنة الغربية على التجارة والممرات الاستراتيجية. لذلك، أصبح كل من يدور في فلك الصين أو روسيا موضع شك وضغط، لأن قوة الدول اليوم تُقاس باقتصادها، وكل ما عدا ذلك ليس سوى أدوات لخدمة هذه القوة.
أميركا تتحرك وفق ما يناسب مصالحها، وتُصنّف الدول إلى أصدقاء وأعداء بناءً على مقدار خدمتها لمشروعها. العدو هو من يقف في طريق توسعها، أو يهدد مصادر طاقتها، أو يحاول بناء اقتصاد مستقل خارج إرادتها. الأخلاق والأمم لم تعد حاضرة في هذا المشهد، والضمير الحي أصبح من الماضي.
وما يحصل في فنزويلا مثال واضح على ذلك؛ دولة غنية بالنفط، لكنها دفعت ثمن محاولتها الخروج عن الهيمنة الأميركية، فتعرضت لعقوبات خانقة ومحاولات متكررة لتغيير نظامها السياسي، تحت عناوين براقة تخفي في جوهرها صراعًا على الطاقة والسيطرة حتى وصل الأمر إلى دخول اميركا وسحب الرئيس وزوجته وأخذهم للمحاكمة وكان العالم اصبح ملكاً لها.
أما سوريا، فكانت ساحة نموذجية لتداخل المصالح الدولية، حيث جرى التعامل معها وفق حسابات الطاقة والموقع الجغرافي والتحالفات، لا وفق معاناة شعب أو سيادة دولة. الدعم، والضغط، والعقوبات، كلها أدوات استُخدمت بما يخدم الاستراتيجية الأميركية، لا الاستقرار أو السلام وما يحصل اليوم بعد استلام الشرع دون شك خدم مصالح الشعب السوري والاميركي.
اليوم، تنصّب أميركا نفسها ضمير العالم، وتمنح صكوك الشرعية أو الإدانة حسب مصالحها. كل ما لا ينسجم مع سياستها يُصنّف خارجًا عن القانون الدولي أو إرهابيًا، حتى وإن كان دفاعًا عن السيادة أو الاستقلال. دول الممانعة، في نظرها، مشروع مؤجل للتصفية، مسألة وقت لا أكثر، خاصة في ظل الصراع المفتوح مع الصين وروسيا.
حتى الهند، رغم ثقلها الاقتصادي، لم تسلم من الضغوط، لأن الولايات المتحدة لم تعد تقبل بدول تسير في المنطقة الرمادية. العالم اليوم يُجبر على الاختيار: إما أبيض أو أسود، إما مع المشروع الأميركي أو ضده.
في النهاية، نحن أمام نظام عالمي عنوانه اقتصاد بلا أخلاق، وقوة بلا رحمة، حيث تُسفك الأرواح من أجل المال، وتُفكك الدول من أجل النفط والممرات، وتُعاد صياغة المبادئ على مقاس المصالح. إنه عالم لا يعترف إلا بالقوة، ومن لا يمتلكها، يدفع الثمن.