خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، بدا واضحًا أن السياسة الأميركية تدخل مرحلة أكثر صدامية وحسمًا في إدارة التوازنات الدولية.
ترامب، الذي يرى أن التراجع الاقتصادي الأميركي نتاج تراكمات طويلة، يحمّل الإدارات الديمقراطية مسؤولية إضعاف النفوذ الأميركي عبر سياسات سمحت بتعاظم دور ما يُعرف بـ«محور الممانعة»، الأمر الذي انعكس سلبًا على الهيمنة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة عالميًا.
من هذا المنطلق، اتجهت الإدارة الجديدة إلى تبنّي مقاربة هجومية تقوم على تفكيك مراكز القوة المنافسة، سواء في الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية، باعتبارها ساحات أساسية لإعادة رسم النفوذ الأميركي. القرار الاستراتيجي، وفق هذا التصور، لم يكن احتواء هذه القوى بل تصفيتها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وفي مقدمتها سوريا، إيران، وحلفاؤهما في المنطقة، إضافة إلى بعض الأنظمة المتحالفة معهم في أميركا اللاتينية.
التحالف مع إسرائيل وإعادة هندسة الإقليم
في هذا السياق، عزز ترمب شراكته مع إسرائيل بوصفها الذراع المتقدمة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط. وُضعت خطة تهدف إلى تغيير قواعد اللعبة الإقليمية، تبدأ من غزة ولا تنتهي عند ليبيا والسودان وإيران. الهدف المركزي من هذه الخطة هو كبح التوسع الروسي عسكريًا والحد من الصعود الاقتصادي الصيني، عبر ضرب نقاط الارتكاز التي يستندان إليها.
تحقيق هذه الغاية استدعى استخدام أدوات متقدمة من التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية، إلى جانب استراتيجيات تجفيف مصادر التمويل. فكان البدء بمحاصرة حركات المقاومة في غزة، ثم الانتقال إلى دعم المشروع التركي الهادف إلى إنهاء نظام الأسد، باعتبار سوريا حلقة محورية في شبكة النفوذ “الإيراني – الروسي”.
إيران تحت الضغط وتداعيات السلسلة الإقليمية
بعد ذلك، تحركت «كرة المسبحة» باتجاه إيران، من خلال ضرب المقومات الحاضنة لها في اليمن ولبنان، تمهيدًا لدعم الحركات التغييرية داخلها. فإضعاف طهران لا يُنظر إليه فقط كهدف بحد ذاته، بل كوسيلة لإعادة ضبط التوازن الإقليمي وتقليص قدرة روسيا على المناورة في الشرق الأوسط.
فنزويلا وأميركا اللاتينية: معركة الموارد
دخول الولايات المتحدة مجددًا إلى فنزويلا لا يمكن فصله عن هذا المخطط الأشمل. ففنزويلا تُعد من أغنى دول العالم بالنفط والذهب والفضة والمعادن الاستراتيجية، وهي موارد حيوية للصناعة الأميركية. السيطرة على هذه الساحة تحقق عدة أهداف في آن واحد:
- حرمان إيران وحلفائها من مصادر تمويل غير مباشرة.
- استعادة التوازن الاقتصادي الأميركي.
منع الصين من الهيمنة على المعادن والطاقة في القارة اللاتينية
إعادة الدور الأميركي في أميركا اللاتينية أصبحت ضرورة ملحّة، خصوصًا بعد تراجع نفوذ روسيا في عدة ساحات مثل أوكرانيا وسوريا واليمن، ما وضع موسكو في سباق مع الزمن للحفاظ على ما تبقى من مواقعها.
نحو تسويات كبرى وصراعات جديدة
في المدى المنظور، قد نشهد الولايات المتحدة جالسة على طاولة المفاوضات مع كل من الصين وروسيا، كلٌّ وفق مساره، في محاولة لإعادة تثبيت دورها الاقتصادي والعسكري عالميًا. وقد يكون إنهاء الملفات الساخنة في لبنان، إيران، العراق، وليبيا جزءًا من هذه التهيئة.
أما اليمن والسودان، ومعهما مصر تتجه لتكون ضمن دائرة النفوذ الأميركي، ولكن تحت مظلة الدور السعودي الإقليمي. وفي المقابل، قد تحصل الصين على تايوان كجائزة ترضية، وقد تُمنح روسيا هامشًا أوسع في بعض مناطق أوكرانيا، غير أن كل ذلك يبقى في إطار الاحتمالات لا اليقين.
أفريقيا… الصراع القادم
بعد إعادة ترتيب هذه الأوراق، تتجه الأنظار إلى ساحة جديدة مرشحة للاشتعال، القارة الأفريقية. فهناك تتجمع الثروات الحقيقية من معادن نادرة، وذهب، ومياه، ومصادر طاقة وغذاء، ما يجعلها مسرح الصراع الدولي القادم بين القوى الكبرى، في عالم يتغير بسرعة ولا يعترف إلا بمن يمتلك أدوات القوة والموارد.