خاص بوابة بيروت

صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
في لحظةٍ فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، يعود الشعب في إيران ليكتب فصلاً جديدًا من فصول المواجهة المفتوحة مع نظامٍ لم يعد يملك من مقومات الدولة سوى أدوات القمع، ولا من شرعية الحكم سوى العنف المنهجي.
ما يجري اليوم في شوارع المدن الإيرانية ليس “اضطرابًا داخليًا” ولا “احتجاجات مطلبية” عابرة، بل انتفاضة شعبٍ أنهكته أربعة عقود من القهر، والتجويع، وتدمير الكرامة الإنسانية باسم الدين، وبذريعة “المقاومة”، وتحت رايةٍ واحدة: تصدير الأزمات والإرهاب إلى الخارج، وسحق الإنسان في الداخل.
الثورة الإيرانية المعاصرة ليست وليدة لحظة انفعال، بل نتيجة تراكم قانوني وأخلاقي لجرائم موثّقة بحق المدنيين.
في طهران نظامٌ صادر الحق في الحياة عبر الإعدامات التعسفية، وجرّم حرية التعبير باعتبارها “محاربة لله”، وحوّل مؤسسات العدالة إلى أدوات انتقام سياسي.
منذ انتفاضات الطلاب والعمال، مرورًا بثورات النساء ضد الإكراه القسري، وصولًا إلى الحراك الشعبي الشامل، كانت إجابة السلطة واحدة: الرصاص بدل الحوار، السجن بدل القانون، والتعذيب بدل القضاء.
إن ما يُرتكب بحق المتظاهرين السلميين “من قتلٍ ميداني، واعتقالات جماعية، واختفاء قسري، ومحاكمات صورية” يرقى، وفق المعايير القانونية الدولية، إلى جرائم جسيمة وانتهاكات ممنهجة لاتفاقيات حقوق الإنسان التي تُلزم الدول بحماية مواطنيها لا بإبادتهم.
اللافت، والمُدان أخلاقيًا، هو صمتٌ دوليٌّ يقترب من التواطؤ.
وسائل إعلام دولية كبرى لا تزال تتعامل مع الثورة الإيرانية بوصفها هامشًا، أو خبرًا مؤجّلًا، أو مادةً تُقاس بميزان المصالح لا بميزان القانون.
هذا التهميش ليس بريئًا؛ إنه امتداد لمنطقٍ طالما منح الأنظمة القمعية “حصانة الواقع”، وغضّ الطرف عن الجرائم حين تتقاطع مع حسابات الطاقة، أو الأمن، أو “الاستقرار” الزائف.
لكن أي استقرار يُبنى على جماجم المتظاهرين؟ وأي سيادة تُصان حين تُداس إرادة الشعب؟
قانونيًا، لا يملك النظام الإيراني ذريعةً تُسقط عنه المسؤولية.
مبدأ عدم الإفلات من العقاب، والولاية القضائية العالمية، والتزامات العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كلها تضع ما يحدث في خانة الانتهاكات الصريحة.
القمع ليس شأنًا داخليًا حين يتحول إلى سياسة دولة، والقتل ليس “حفظًا للنظام” حين يُمارس ضد مواطنين عُزّل. إن استهداف النساء، والصحفيين، والطلاب، والعمال، والأقليات، يفضح بنية حكمٍ ترى في المجتمع خطرًا دائمًا، وفي الحرية جريمة أصلية.
سياسيًا وأخلاقيًا، لا يمكن فصل القمع الداخلي عن الدور الخارجي للنظام.
ذات اليد التي تُطلق النار في طهران وأصفهان ومشهد، هي التي ترعى شبكات العنف في الإقليم، وتغذّي النزاعات، وتستثمر في الفوضى كوسيلة بقاء.
إن نظامًا يعادي شعبه لا يمكن أن يكون عامل استقرار خارج حدوده؛ وهذه حقيقة تؤكدها التجارب، وتثبتها الوقائع.
الثورة الإيرانية اليوم تُعيد تعريف الشرعية: شرعية تُستمد من الشارع، لا من فتاوى القمع؛ من صوت النساء، لا من عصا الشرطة؛ من حق الخبز والكرامة، لا من اقتصاد الحصار الداخلي.
إنها ثورة قانون قبل أن تكون ثورة سياسة، وثورة كرامة قبل أن تكون ثورة سلطة.
وكل تأخير في تسميتها باسمها الحقيقي “ثورة شعب ضد نظام قمعي داعم للإرهاب” هو مشاركة في الجريمة عبر الصمت.
التاريخ لا يرحم المتفرجين، والقانون لا يعترف بالحياد أمام الدم.
ما يحدث في إيران اليوم اختبارٌ حقيقي لمصداقية المنظومة الدولية، ولمهنية الإعلام العالمي، ولشجاعة الضمير الإنساني.
إما أن تُضاء الحقيقة وتُحمى الضحية، أو يُسجَّل الصمت شاهدًا على سقوطٍ أخلاقي جديد. والشعوب، حين تنتفض، لا تعود إلى الأقفاص.
ختامًا، لا يمكن اختزال ما يتعرّض له المتظاهرون السلميون في إيران في كونه “شأنًا داخليًا”، لأن القانون الدولي حسم هذه المسألة دون لبس.
فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يجرّم صراحةً القتل التعسفي، ويحمي الحق في الحياة، وحرية التعبير، والتجمع السلمي، ويُلزم الدولة ليس فقط بالامتناع عن الاعتداء، بل باتخاذ التدابير الإيجابية لحماية المتظاهرين.
كما أن المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين تحظر اللجوء إلى القوة المميتة إلا في أضيق الحدود القصوى، وتعتبر إطلاق النار على محتجين عُزّل جريمة جسيمة.
إن القتل الممنهج، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمحاكمات الصورية التي يتعرض لها المدنيون في إيران تشكّل، وفق القانون الدولي، انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية عندما تُمارَس على نطاق واسع وبشكل منظم، ما يفتح الباب أمام مبدأ عدم الإفلات من العقاب والولاية القضائية الدولية.
وبذلك، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لم تعد أخلاقية فحسب، بل قانونية صريحة، حماية الضحايا، وتوثيق الجرائم، وملاحقة المسؤولين عنها، لأن الصمت في مواجهة القمع ليس حيادًا، بل تخلٍّ عن جوهر القانون الدولي نفسه.