بقلم غادة المرّ – خاص بوابة بيروت
الصّورة في يد المرأة، تحرق رمز السّلطة، لا تشكّل حدثاً عابراً بل تعبيراً بصريّاً قويّاً عن شعور عام، لدى الإيرانيين، بأنّ نظاماً عمره عقوداً، قد أصبح غير قابل للإصلاح ،بل غير قابل للحياة، ومطالب النّاس، لم تعد تقتصر على الآقتصاد والحرّيات، بل تمتدّ الى تحوّل خطير بين علاقة الشَعب بالدّولة والنّظام.
إنّها لحظة تحوّل جذريّ من القمع المطبق على الأجساد والعقول، الى احتجاج علنيّ، يكسر محظورات الدّولة الدينيّة، والتّي في إيران، تعتبر من المحرّمات، ما يعكس غضباً متراكماً وانفجاراً في وجه الهيمنة الدينيّة والسياسيّة.
هذه الانتفاضة، تعدّ الأكبر منذ سنوات، امتدّت من أسواق طهران ومناطق تجاريّة، الى الشّوارع والمدن والمحافظات. تشارك فيها، أطياف واسعة من المجتمع: العمّال، الشباب، النساء، وأقلّيات عرقيّة وإقليميّة.
أزمة اقتصاديّة خانقة، انهيار ثقة،صراع رمزيّ على السّلطة وتغير ثقافيّ وحضاريّ عميق. هي، نقطة تحوّل جريء في صراع مرير نحو إعادة تعريف وتحديث السّلطة، الحريَة، والهويَة الوطنيَة.
تحوّل نوعيّ ومطالب سياسية أوسع، تقضي بإنهاء حكم الجمهورية الإسلاميّة وتدعو للموت للخامنئي، فتحوّلت أزمة بقاء تتقاطع فيها مسارات خطرة.
وليس خافياً على أحد، أنّ الأزمة الاقتصاديّة العميقة، العقوبات الدّولية وتدهور الإيرادات النفطيّة وعجز النّظام عن تلبية احتياجات الناس اليوميّة، ناهيك عن غياب الثّقة في المؤسسات، بعد عقود من سيطرة النَظام الأمنيّ والتضييق السياسيّ،ما دفع بالشعب الى فقدان الثقة في قدرة النَظام على إدارة البلاد وتحسين الظّروف الاجتماعيّة والمعيشيّة.
وكان القمع، خاصة على المرأة بفرض الحجاب والتضييق على حقوقها وحرّيتها الشخصيّة، من أبرز الدوافع الحقيقيّة، الكامنة وراء المطالب الاقتصاديّة، و ما يميّز هذا الحراك عن احتجاجات سابقة، ٢٠٢٢ وكان شعارها “إمرأة – حياة – حريّة”، هو اتّساع دائرة المطالب ودعوة لسقوط النّظام السياسيّ كليّاً.
فالمرأة، كسرت العمود الفقري للنّظام، وانهارت الشرعيّة العقائديّة وانفصلت الدولة عن المجتمع، بسب شيخوخة القيادة وانسداد افق الحلول والتغير ،ناهيك عن خلق اقتصاد عقابيّ لا يمكن اصلاحه.
كلّ ذلك، دفع بالوضع في البلاد الى حافة الانفجار والثورة.
الوضع في إيران مشرّع على أربع سيناريوهات محتملة…
السيناريو الأول، هو بقاء النّظام القمعي المتآكل، أي استمرار النّظام عبر القبضة الأمنيّة القمعيّة، مع التشدّد في فرض القوانين وتصعيد العنف وتوسيع دائرة التخوين. هذا السيناريو يشتري الوقت فقط ويحوّل الدولة الى جهاز أمنيّ منفصل عن المجتمع، ويؤجّل السقوط.
السيناريو الثاني، هو تحوّل النّظام الى حكم عسكريّ مقنع، فيستلم الحرس الثوري الحكم وتكون السلطة الدينيَة واجهة شكليّة فقط. اي فشل ولاية الفقيه.
السيناريو الثالث، هو الانهيار المتدرّج للنّظام، ليس سقوطاً فجائياً، بل صراعاً على الخلافة بعد الخامنئي، يرافقه ضغوط اقتصاديّة خانقة، احتجاجات متقطّعة وتصدّعات داخل مؤسسات الدولة، هو ليس سقوطاً درامياً بل تفككاً بطيئاً يفضي الى نظام مختلف ومرحلة انتقاليّة مضطربة.
السيناريو الرّابع، هو ثورة شاملة وسقوط مفاجئ للنظام، اذا ما ترافق مع حدوث انشقاقات كبيرة في الحرس الثوريّ والقوى الأمنيّة والجيش وانضمامها الى الثّوار و تراجع العنف والقمع، يرافقه تدخّل خارجيّ أو حدوث مجازر، وانهيار العملة كليّاً أو وقوع صدمة كبرى كوفاة الخامنئي او هروبه، أو وقوع حرب إقليميّة خاسرة و ضغط كبير في الشارع من الشعب والثّوار .
مهما حدث من سيناريوهات، لهذه اللحظة، لم يسقط النّظام بعد، لكنّه انتهى كنموذج قابل للحياة. وما نشهده اليوم ، هو نهاية الجمهوريّة الإسلاميّة كمشروع عقائديّ وفتح الباب أمام صراع على السلطة لحقبة إيران ما بعد نظام الخميني و الخامنئي.
سلطة الخامنئي اليوم ، تحكم بلا شرعيّة ، تقمع بلا أفق وتخاف شعبها أكثر ممّا تخاف أعداءها، فكلُّ نظام يبلغ هذه المرحلة… لا ينجو بل يطيل زمن موته ويؤخّر دفنه فقط.
ويبقى الموضوع رهن قوة الثورة وثباتها والدعم الخارجيّ الذي يعوّل عليه الثّوار. والدعم الغربيّ واحتمال تدخل غربيّ – أميركي لدعم الثورة ، مع احتمال ضربات اسرائيليّة قد تقلب الموازين بشكل فاضح. فالولايات المتّحدة، بلسان رئيسها ترامب تحذّر السلطة من قمع الشعب.
وليس خافيّاً على أحد أن الحصار الاقتصاديّ والثورة في الداخل وسقوط مادورو وتحييد فنزويلا كما سوريا، كانت الضربة القاضيَة التي شلّت الحكم الديّنيّ في طهران.
وهناك نيّة اميركيّة بمصادرة كافة عقارات وممتلكات ورؤوس أموال والصناعات الميكانيكيَة الإيرانيَة في فنزويلا والتي تبلغ قيمتها ٢٠ بليون دولار كما خسرت، مؤخّراً في سوريا ٣٠ بليون دولار.
أيّ تداعيات في ايران ، او اهتزاز في نظام الخامنئي سينعكس مباشرة على لبنان والمنطقة، لأنّ إيران تمثّل المركز الماليّ والعقائديّ والعسكريّ لمحور كامل من الأذرع والقوى التابعة لها.
لبنان…
أي ضعف او سقوط للنّظام الحاكم في طهران يترجم بتضيق الخناق على حزب الله مالياً وسياسياً، وبالتالي سينعكس ضعفاً وتراجعاً لقدرته على فرض توازن الردع الدّاخليّ والخارجيّ، ما يفتح الباب أمام اهتزاز المعادلة القائمة وإعادة خلطها وتركيبها.
إقليميّاً…
سيؤدّي حكماً الى تراجع النّفوذ الإيراني في العراق واليمن ولبنان ، مع انحساره شبه الكامل في سوريا، وقريباً في فنزويلا. ما سيفضي لانكشاف الميليشيات أمام ضغوط داخليّة ودوليّة متزايدة.
أمّا في حال تحوّل النّظام الى حكم عسكريّ، أو دخل مرحلة انهيار تدريجيّ، فستدخل المنطقة ، مرحلة فراغ استراتيجيّ وصراع إعادة تموضع، حيث ستحاول قوى إقليميّة ودوليّة ، ملأ المساحة التي تركتها إيران، مع خطر نشوب فوضى محدودة. لكن، أيضاً ستكون فرصة لإعادة التَوازن وإنهاء مرحلة التمدّد والسيطرة الإيرانيّة، والّتي طبعت العقدين الماضيين ، وتميّزت بالحروب والقمع والتشدّد وانشاء أذرع عسكرية وتصديرها للثورة الخمينيّة، وقد نجحت في بسط سيطرتها على خمس عواصم عربية، ودول افريقيّة وفي اميركا اللاتنيّة كفنزويلا ونيجريا ولبنان واليمن وسوريا والعراق.
هذه الصورة غدت أيقونة الثورة الإيرانيّة ورمزاً للحرّية والانوثة الناعمة والقاتلة ، والأهم ،سهماً أصاب مقتلاً ،قلب النّظام الدّينيّ القمعيّ المتشدّد.